الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٣٨٢382
الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه
مَشْكُورًا} [الإسراء: 18 - 19]، وقال: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: 20]، وقال: فَأَمَّا مَن طَغَى (وَاثَرَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى
39
النازعات: 37 - 41].
كل هذا - بلا ريب - شاهد ودليل على أن الاغترار بما كان فيه أولئك المترفون من النعيم والانبهار بمعالم الترف التي خلفوها من بعدهم، إنما هو دليل على عدم رسوخ معاني القرآن في أذهان الناس، وإلا فإن مشاهدة تلك المشاهد هي في ذاتها داعية إلى حسن الاعتبار وباعثة على كثرة الاستعبار، فقد روي أنه لما «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر، قال: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل الذي أصابهم»، ثم قنع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، وأسرع السير، حتى أجاز الوادي» (1). فما أجدر العاقل أن يعتبر ويستعبر عندما يرى أي مشهد من هذه المشاهد لا أن يباهي ويفتخر، ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ، مَّكَتَهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِى ن تَحْنِهِمْ فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: 6].
والقرآن الكريم شاهد ودليل على أنه لولا لطف الله بعباده، وأنه لم يرد لهم أن يكونوا جميعا أمة واحدة في الكفر، لفتح الدنيا على أعدائه الكفرة فتحا يؤدي بالناس إلى الاغترار بهم والانسياق وراء كفرهم، لما يرونه
(1) أخرجه عبد الرزاق (415/ 1، رقم 1624)، ورواه البخاري (149/ 4 رقم 3380) بلفظ: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا
عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم» وعند مسلم (2286/ 4) رقم (39) بلفظ قريب.