الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٤٨

48

الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه

وهذا يعني أنه لو حرم الناس من أرزاقهم من بيت مال المسلمين لكان ذلك له حقا مشروعا، وليس لهم حسابه على ذلك، لأنه منعهم ما يملك لا ما يملكون! .. وإن آتاهم شيئا من ذلك فهو لا يعدو أن يكون فضلا منه، لأنه له التصرف المطلق وله الحق في كل شيء دونهم، وأين هذا من نهج النبوة الصادقة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان صلى الله عليه وسلم يقسم المال بالسوية، ويقول: «ما لي من هذا المال إلا مثل ما لأحدكم إلا الخمس، وهو مردود عليكم)، وبين أنه لا يقسم بين الناس إلا كما أمر، من غير أن يجعل لرغبة نفسه وهواها أثراً في العطاء والمنع، فقد قال: «ما أعطيكم ولا أمنعكم، أنا قاسم أضع حيث أمرت» (2).

بل أين هذا من نهج الخلفاء الراشدين، فعن ابن عمر قال: «شهدت جلولاء، فابتعت من المغنم بأربعين ألفا، فلما قدمت على عمر، قال لي: أرأيت لو عرضت عليّ النار، فقيل لك: افتدني أكنت مفتدي؟ فقلت: والله ما من شيء يؤذيك إلا كنت مفتديك منه، فقال: كأني شاهد الناس حين تبايعوا، فقالوا: عبد الله بن عمر صاحب رسول الله وابن أمير المؤمنين وأحب الناس إليه وأنت كذلك فكان أن يرخصوا عليك بمائة أحب إليهم من

أن

يغلوا عليك بدرهم، وإني قاسم مسئول، وأنا معطيك أكثر ما ربح تاجر من قريش لك ربح الدرهم درهم قال ثم دعا التجار، فابتاعوا منه بأربعمائة ألف فدفع إلي ثمانين ألفا، وبعث بالبقية إلى سعد بن أبي وقاص، فقال:

الحمدونية، ابن حمدون محمد بن الحسن بن محمد بن علي، (ت: 608 هـ)، ج 7، ص 169 دار صادر، بيروت، لبنان، 1996 م، الطبعة الأولى، تحقيق: إحسان عباس، بكر عباس، وجمهرة خطب العرب، ج 1، ص 445.

(1) أخرجه أحمد (127/ 4، رقم 17194)، والطبراني (259/ 18، رقم 649).

(2) أخرجه البخاري (1134/ 3، رقم 2949).