الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٦٥القسم الأول: مظاهر الاستبداد
65
واحتج بهذا أيضا عبد الله بن عمر قائلا إن هذه الخلافة ليست بهرقلية ولا قيصرية ولا كسروية يتوارثها الأبناء عن الآباء، ولو كان كذلك كنت القائم بها بعد أبي»
ولكن معاوية لم يلتفت إلى هذه المعارضة ولم يلق لها بالا، بل كان مصمما على تنفيذ ما أراده من توريث ولده أمر الأمة وهي له كارهة، بل عمد إلى القوة والبطش لتحقيق ما يهواه من ذلك.
وذكر ابن كثير أنه امتنع عن موافقة معاوية: «عبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر والحسين بن على وعبد الله بن الزبير، وابن عباس، فركب معاوية إلى مكة معتمرا فلما اجتاز بالمدينة مرجعه من مكة استدعى كل واحد من هؤلاء الخمسة، فأوعده وتهدده بانفراده فكان من أشدهم عليه ردا وأجلدهم في الكلام عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وكان ألينهم كلاما عبد الله بن عمر ابن الخطاب ثم خطب معاوية، وهؤلاء حضور تحت منبره وبايع الناس ليزيد، وهم قعود ولم يوافقوا ولم يظهروا خلافا لما تهددهم وتوعدهم» (2).
وأنت ترى أن هذه البيعة أخذت عنوة تحت طائلة البطش ممن بقي من
أنه
صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كارهون لها، فكيف تكون بيعة مشروعة مع أمر يرتبط به مصير أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟!، وقد علمت من هدي السلف الذين بايعوا الخلفاء الراشدين أنهم لا يختارون لهذا الأمر إلا من كان أورعهم وأنقاهم وأتقاهم والعقود لا تثبت بالإكراه، فكيف يثبت به عقد يناط به أمر الأمة بأسرها، بل يغدو مرهونا به دينها ودنياها؟!.
(1) الإمامة والسياسة، أبو محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري، (ت: 276 هـ)، ج 4، ص 485، دار الكتب العلمية، بيروت، 1418 هـ / 1997 م، تحقيق: خليل المنصور.
(2) البداية والنهاية، ج 8، ص 79 - 80.