الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٧٧القسم الأول: مظاهر الاستبداد
جد
VV
الخلافة الراشدة، واحتذى في حكمه النهج الراشد الذي كان عليه من قبل أمه المصونة عمر بن الخطاب الله، فكان أمة وحده ونسيجا لا يلتقي مع بني أمية في سدى ولا لحمة، إذ كان العرق العمري هو الذي غلب على طبعه؛ فصنع منه فاروقا ثانيا، ما كان له هم إلا أن يحيي ما أميت من سيرة الفاروق السابق، كما قال رسول آل مروان إليه في رده على آل مروان. يا معشر بني أمية عمدتم إلى صاحبكم فزوجتموه بنت ابن عمر،
فجاءتكم بعمر ملفوفا في ثيابه، فلا تلوموا إلا أنفسكم» (1).
أما سائر الحكام من هذه الأسرة، فما كانوا إلا امتدادا لبني عمهم من الأسرة السفيانية التي حولت الخلافة إلى ملك عضوض، وأذاقت أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما لم تذقه من الأكاسرة أو القياصرة من أنواع الذل وصنوف
الهوان.
وكان أول من تسنم مطاها منهم مروان بن الحكم، ابن طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يلبث أن عهد بها من بعده إلى ابنه عبد الملك، الذي تلقفها ليعلن عهدا جديدا ليس له من هم إلا امتصاص دماء الأمة ونهب ثرواتها وسلب حرياتها، ليكون الناس له ولأولاده، خولا وأموالهم لهم دولا، فقد أعلن للناس بمدينة الرسول الله أن سياسة المداجاة التي عهدوها في معاوية لن يبقى لها أثر، وأنه لن يتخذ سياسة لتوطيد ملكه إلا القمع والإبادة وإشاعة الرعب بين الجميع، فقد قال في خطابه: «أما بعد؛ فإني لست بالخليفة المستضعف - يعني عثمان، ولا بالخليفة المداهن ـ يعني معاوية -، ولا بالخليفة المأفون - يعني يزيد -، ألا وإني لا أداوي هذه الأمة
(1) سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه، أبي محمد عبد الله بن عبد الحكم، ت، رمضان، 214 هـ)، ص 50 عالم الكتب، بيروت، لبنان،
1404 هـ / 1984 م، الطبعة السادسة، تحقيق: أحمد عبيد.