الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٧٩القسم الأول: مظاهر الاستبداد
79
وهي سيرة جميع الخلفاء الراشدين الذين كانوا أطوع للحق وأشوق إلى أن يؤمروا به ويوجهوا إليه، وإنما هذه نعرة أهل الجهل والحمية الجاهلية، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اُتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: (206)، على أنه لم يقتصر على إبائه قبول الأمر بالتقوى، وإنما كان جزاء قائلها، قتله ليلجم الأفواه عن قولة الحق، كما قال أبو بكر الرازي عنه: ولم يكن في العرب ولا آل مروان أظلم ولا أكفر ولا أفجر من عبد الملك، ولم يكن في عماله أكفر ولا أظلم ولا أفجر من الحجاج، وكان عبد الملك أول من قطع ألسنة الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
وقد تحمل عماله تبعة ترسيخ طاعته في النفوس وتقديمها على طاعة الله، ولو اقتضت هتك أعظم حرمات الله تعالى، فقد قال البلاذري: «أبو عاصم النبيل عن عمر بن قيس انه سمع خالداً - ابن عبد الله القسري - يقول أخذ سعيد بن جبير وطلق بن حبيب بمكة: كأنكم أنكرتم ما صنعت، والله لو كتب إلي أمير المؤمنين أن أنقضها حجراً حجراً لفعلت ـ يعني
حين
الكعبة ـ» (2).
وحسبك من هذا أن هؤلاء اجترأوا على حُرم الله، التي ما كان أهل
ج 3، ص 248، دار الفكر، بيروت. (1) أحكام القرآن، ج 1، ص 87 - 88
(2) أنساب الأشراف، ج 3، ص 167، وينظر: المتوارين الذين اختفوا خوفا من الحجاج بن
يوسف الثقفي، عبد الغني بن سعيد الأزدي أبو محمد، (ت: 409 هـ)، ص 60، دار القلم.
الدار الشامية، دمشق، بيروت، 1410 هـ، الطبعة الأولى، تحقيق: مشهور حسن محمود سلمان، تاريخ دمشق، ج 16، ص 161، ومختصره، ج 3، ص 26، وبغية الطالب في تاريخ حلب، كمال الدين عمر بن أحمد بن أبي جرادة (ت: 660 هـ)، ج 7، ص 3085، دار الفكر، تحقيق د. سهيل زكار، سير أعلام النبلاء، ج 5، ص 429.
6