الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٨٤84
الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه
فهذه صورة تعكس ما كان عليه عهده له من إحقاق الحق ونصرته، وإزهاق الباطل وإماتته، لم يحاب قريبا لقرابته ولم يجامل حبيبا لمودته، وإنما وضع بين يديه ميزان القسط ومعايير الحق، فأعطى كل ذي حق حقه، غير مبخوس ولا منقوص، وأخذ الحق لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من كل غاشم جبار، ولم يفكر فيما أن يواجه من مؤامرات الجبارين وأعوانهم، وما يلقاه من كيدهم وبطشهم، لأنه امتلأ إيمانا بالله، فوجل قلبه بذكره، وشغله خوفه عن كل خوف ورجاؤه عن كل رجاء، وجعل الدار الآخرة نصب عينيه، فلم يحفل بالحياة الدنيا وزخرفها، إذ لم تزن شيئا في موازين عقله بجانب الآخرة، وناهيك من ذلك ما ذكره الآجري أيضا من خطبه التي كان يعظ بها رعيته، حيث قال:
عسى
«أخبرنا محمد، قال: حدثنا الفريابي، قال ثنا عمرو بن علي. قال: حدثنا
6
سفيان بن خليد الضبي عن سالم بن نوح العطار عن بشر بن السري، قال عمرو، ثم لقيت سالم بن نوح فحدثني به عن بشر بن السري، ثم حججت فقيل لي بمكة أن بشر بن السري بمكة فأتيته فسألته، فحدثني بشر ابن السري قال: حدثنا ابن سليم الهذلي، قال: خطب عمر بن عبد العزيز فقال: أما بعد؛ فإن الله ل لم يخلقكم عبثا، ولم يدع شيئا من أمركم سدى، وإن لكم معادا يُنْزِلُ الله فيه الحكم والقضاء بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله، وحرم الجنة التي عرضها السماوات والأرض، فاشترى قليلا بكثير وفانيا بباق وخوفا بأمان، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلفها بعدكم الباقون كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين، في كل يوم وليلة تشيعون غاديا ورائحا إلى الله عل، قد قضى نحبه وانقضى أجله، حتى تغيبوه في صدع، ثم تدعوه غير ممهد ولا موسد قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب، مرتهنا بعمله، فقيرا إلى ما قدم، غنيا عما ترك، فاتقوا الله قبل نزول الموت.