الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٨٦86
الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه
أما بعد؛ فإنه ليس بعد نبيكم صلى الله عليه وسلم نبي، ولا بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب ألا ما أحل الله وعلى حلال إلى يوم القيامة وما حرم الله حرام إلى يوم القيامة، ألا لست بقاض ولكني منفذ، ألا وإني لست بمبتدع، ولكني متبع ألا أنه ليس لأحد أن يطاع في معصية الله،، ألا إني لست بخيركم ولكني رجل منكم، غير أن الله جعلني أثقلكم حملا، ثم ذكر حاجته).
وقد تبين من خطبته التي ألقاها بعدما ولي الأمر أنه طوق هذه المسؤولية على كره منه، ولم يكن على علم بذلك وإنما كانت مفاجئة له، وقد رد الأمر إلى المسلمين، ليختاروا لأنفسهم من يرضونه، ليلي أمرهم ويوجه سفينتهم، لكن أطبقت كلمتهم على اختياره دون سواه، ولا غرو؛ فإن الناس إنما ينشدون العدل والحرية والمساواة في الحقوق والواجبات، وما كانوا ليعدلوا عنه وقد وجدوا في شخصه القائد الرباني المخلص الذي تهمه أمته لا نفسه، وتستبد بتفكيره آخرته لا دنياه وكان عزوفه عن الدنيا وقد عرضت له بزينتها وزخرفها وراودته عن نفسه بكل ما حوته مما ينشده عشاقها منها، فضرب صفحا عنها، ولم يعرها بالا ولم يقم لها وزنا، فما أجدره أن تضع الأمة فيه ثقتها وأن تقلده، أمانتها، وهو القوي الأمين وهذا ما عبر عنه عبد الله بن الأهتم الخطيب العربي، عندما وفد عليه فيمن وفد، فخطب بين يديه بدون استئذان واستعرض في خطبته دعوة النبي، وما لقيه من قومه، وما كان من بعد من خلفائه، ثم خاطب عمر بقوله:
ثم إنك يا عمر ابن الدنيا، ولدتك ملوكها وألقمتك ثديها، فلما وليتها ألقيتها وأحببت لقاء الله وما عنده، فالحمد لله الذي جلا بك حوبتنا، وكشف
(1) أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز، ص 63، الطبقات الكبرى، ج 5، ص