الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٨٧القسم الأول: مظاهر الاستبداد
87
بك كربتنا، امض ولا تلتفت، فإنه لا يغني عن الحق شيء، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين وللمؤمنات» (1).
ومن الظاهر بداهة أن عمر بن عبد العزيز ما كان لينقم على آبائه وبني عمومته حقا أتوه ولا أنكر عليهم عدلا قاموا به، إذ لو فعل ذلك لكان جبارا عنيدا وشيطانا مريدا، فإنه لا ينقم الحق إلا المبطل، ولا ينكر العدل إلا القاسط، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُ} [يونس: 132، وإنما رأى في سيرتهم عسفا وظلما، واضطهادا للمحقين وتأييدا للمبطلين ومحقا للعدل، وإحياء للجور، فأخذ على نفسه عهد الله ورسوله أن ينقض بنيانهم من أساسه، وأن يرد إلى الأمة ما فقدته من الحرية والإنصاف ويلبسها ما ابتز منها من العزة
والكرامة.
أمية،
ولربما يقول قائل: أين كان عمر، وهو يروح ويغدو في مراتع بني وبين ظهرانيهم، وتحت ألوية حكمهم، قبل أن يلي أمر الخلافة والحكم؟ ما باله لم ينقم عليهم ما كانوا فاعليه؟! …
والجواب: أن هذا لو كان صحيحا لكن هو في فسيح العذر، ما دام عاجزا عن التغيير، كيف ولم يألُ جهدا ولم يفوت فرصة عندما أمكنه التغيير، وعلى رغم تطاول عهدهم في استئصال شأفة الحق، وإعمال معاولهم في اجتثاث أسسه ونقض صرحه، ومع قصر عهده؛ فإنه أتى على ما عمروه من الباطل فتركه كا دكا، وإلى ما خرَّبوه من الحق فأعاده روضا نضيرا وربعا عامرا على أنه مع هذا لم يهمل الإنكار عليهم، إبان أوج طغيانهم واستفحال عتوهم، فقد ذكر ابن عبد الحكم أنه:
(1) العقد الفريد، ج 4، ص 86، نثر الدرر، ج 6، ص 11، التذكرة الحمدونية، ج 6، ص 286، جمهرة خطب العرب، ج 2، ص 421.