الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٨٨

88

الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه

كلم عمر بن عبد العزيز سليمان بن عبد الملك في ميراث بعض بنات عبد العزيز من بني عبد الملك، فقال له سليمان بن عبد الملك: إن عبد الملك كتب في ذلك كتابا منعهن ذلك، فتركه يسيرا، ثم راجعه فظن سليمان أنه اتهمه فيما ذكر من رأي عبد الملك في ذلك الأمر، فقال سليمان لغلامه: ائتني بكتاب عبد الملك، فقال له عمر: أبالمصحف دعوت يا أمير المؤمنين؟ فقال أيوب بن سليمان ليوشكن أحدكم أن يتكلم الكلام تضرب فيه عنقه، فقال له عمر: إذا أفضى الأمر إليك فالذي دخل على المسلمين أعظم مما

تذكر فزجر سليمان أيوب، فقال عمر: إن كان جهل فما حلمنا عنه» (1).

وكان لا تفوته فرصة موعظتهم في الموقف الذي يبعث العبرة والذكرى فقد ذكر ابن عبد الحكم أيضا أن سليمان بن عبد الملك خرج ومعه عمر بن عبد العزيز إلى الحج، فأصابهم مطر شديد ورعد وبرق، فقال سليمان: هل رأيت مثل هذا يا أبا حفص؟ فقال: يا أمير المؤمنين: هذا في حين رحمته، فکيف به في حين غضبه؟ (2).

وبالجملة؛ فإن حكم عمر بن عبد العزيز كان رحمة من الله لهذه الأمة، ولطفا أراده بها، بعدما أرهقها جور من كان قبله وما كان أسعد ذلك العهد وأهنأه لو أنه امتد به الزمن وطالت حقبته، ولكن الحياة لا تصفو حتى تتكدر والدهر لا يعطي حتى يسلب فالمنح تعقبها المحن، والله في خلقه شئون: طبعت على كدرٍ وَأَنتَ تُريدُها صفواً مِنَ الأقذاءِ وَالأَكدار وَمُكَلِّفُ الأَيامِ ضِد طِباعِها مُتَطَّلِب في الماء جذوة نارِ فقد انطوت أيامه التي ازدهرت بالحق وازدهر بها، وازدانت بالعدل

(1) سيرة عمر بن عبد العزيز، ص 30. (2) المرجع السابق.