الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٨٩=
القسم الأول: مظاهر الاستبداد
89
واستوسق فيها، ليعقبها ليل بهيم، موحش تفري وحوشه الضارية وذئابه المسعورة أديم الأمة وأوصالها، لتشبع نهمها وتطفئ سعارها وتشفي غيظها من الحق وأهله، فعاد الأمر أسوأ مما كان إذ اعتلى منصة الحكم بنو مروان مرة أخرى؛ بكبرهم وبطرهم وبطشهم الشديد ونقضهم لعرى الإسلام ونسفهم لأحكامه وانتهاكهم لحرمه، وتلك هي حكمة الله خلقه في في أرضه وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَأَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِيَبْلُوا بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} [محمد: 4] فكم طالت في الأمم أحقاب الجاهلية والجهل وامتدت آماد الظلم والجور، وإنما تتخللها فترات الخير ببعث الله تعالى من شاء من رسله، ومن لنصرة الحق من عباده الصالحين.
مساندة فتاوى المارقين لجور الظالمين
وسنته
هيأه
إن جور بني أمية وفسادهم عززهما وقوف المخذولين، ممن يظهرون بمظاهر العلم والحكمة بجانبهم، إذ كانوا يشجعونهم على ما يشيعونه من جور ويرتكبونه من فساد، طمعا في دنياهم، ورغبة في الانتفاع بما يستحصلونه من متع الحياة بتبرير ما يتلبسون به من باطل وما يأتونه من منكر، ولا غرو؛ فإن النبي أنذر هذه الأمة أنها لن تكون بمنأى عن أحوال الأمم من قبلها الذين أضاعوا ما عهد الله إليهم من حق وما أنزله عليهم من كتاب فقد قال: «التتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن» (1).
(1) أخرجه الطيالسي من حديث أبي سعيد: (ص 289، رقم 2178)، وأحمد (84/ 3، رقم 11817)، والبخاري (1274/ 3، رقم 3269)، ومسلم (2054/ 4، رقم 2669)، وابن
حبان (95/ 15، رقم 6703)، ومن حديث سهل بن سعد أخرجه الطبراني (186/ 6،