الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٩٢

92

الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه

ولعمر الحق، إن هذا الفكر هو أعظم خطر رزئ به الإسلام، فقد كان أعمل المعاول في دك صرحه وأحد الحراب في قطع أوصاله وتمزيق أديمه، وما أشبهه بما ذكره الله تعالى عن بني إسرائيل، في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضُ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾

[الأعراف: 169].

وما أبعده من فكر عن عقيدة الإيمان التي جاء بها القرآن، فإن الله تعالى يخاطب نبياً استخلفه في الأرض بقوله: {يَدَاوُردُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص: 26]، بل نجد في القرآن الكريم خطاب الله للنبي الذي أرسله رحمة للعالمين، وفضله على الخلق أجمعين، بما يتوعده أشد الوعيد أن لو خرج قيد شعرة عن حد صراطه المستقيم، فقد قال له تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَن تَثَبِّتْنَكَ لَقَدْ كِدةً تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) إِذَا لَأَذَقْنَكَ ضِعْفَ الْحَيَوةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: 74 - 75]، وقال فيه: {وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (5) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (11) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ)

[الحاقة: 44 - 47]، وفي قضية أسارى بدر، شدد الله تعالى في خطابه للنبي والمؤمنين، في قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِي أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلَا كتبُ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 67 - 68].

وقال له تعالى: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الأنعام: 15]، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، مع عظم قدره وقربه من الله تعالى، يخشى من المعصية أن ينقلب إلى العذاب العظيم، فكيف بالظلمة المجرمين،