الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٩٧

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

97

فليت شعري؛ كيف يكون البغي والظلم وسيلة إلى حق، وطريقا إلى استحقاق الطاعة؟! وحسبك من هذا النص الفقهي أن يجعل من تصرف عبد الملك بن مروان الباغي الطاغية مصدرا للتشريع، وأصلا لحكم يرتبط به مصير الأمة، متجاهلين في ذلك قول الله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّلِمِينَ﴾ [البقرة: 124]، وقوله: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوَلَيْكَ هُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدارِ [الرعد: 25]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد»)، وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد» (2)، وكيف تكون الفتنة والظلم والبغي من أمر الله أو رسوله، وقد بين لنا الله سبحانه ما يأمر به وينهى عنه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَاي ذِى الْقُرْنَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: (90)، ونزه نفسه عن الأمر بالفحشاء في قوله: {قُلْ إِنَّ

الله لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28].

وقد تبين لك فساد هذا الرأي، من خلال النظر لما فيه من التناقض الفاضح والاضطراب البين، وإذا جئنا إلى الأثر، فإننا نجد أن بينه وبين المأثور عن السلف الصالح بعد المشرقين، فهو أبعد عنه من بعد الثريا عن الثرى والعرش عن الفرش، فعن عمر الله أنه قال لابن عباس: «اعقل عني ثلاثا: الإمارة شورى … إلخ» (3)، وقال له: «مَن بايع رجلا، عن غير

(1) أخرجه الربيع (ص 39 رقم 49)، وأحمد (146/ 6، رقم 25171)، ومسلم (1343/ 3، رقم 1718)، وأبو عوانة (171/ 4، رقم 6409)، والدارقطني (227/ 4). (2) أخرجه أحمد (157/ 43 رقم 26033) والبخاري (184/ 3) رقم 2697)، ومسلم (1343/ 3 رقم 1718)، وابن ماجه (7/ 1) رقم (14)، وابن حبان (208/ 1 رقم 26)، والبيهقي (204/ 10 رقم (20371)، والدارقطني (402/ 5 رقم 4534).

(3) أخرجه عبد الرزاق (277/ 7، رقم 13155)، وأبو عبيد في الأموال (ص 178 رقم 361).