النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٠١١نظرية القبض
د. محمد بن راشد بن صالح الغاربي
1011
وقال الشيرازي بعد ذكره لحديث النهي عن بيع الطعام إلا مثلاً بمثل مستدلاً به على أن العلة الطعم والحكم إذا علّق على اسم مشتق كان ذلك علّة فيه» (1)
ثم وقفت على كلام للزركشي يؤيد ما ذكرته حيث يقول: «ومفهومها ـ أي أحاديث النهي عن بيع الطعام قبل القبض - أن غير الطعام ليس كذلك، وهو في معنى الصفة ـ؛ لأنه اسم مشتق، لا اسم جامد كزيد ونحوه» (2).
والجواب عن الوجه الثاني: أن ما ذكرتموه من دعوى أولوية حكم الطعام بغيره من سائر المبيعات لا يسلم لكم لوجهين:
الوجه الأول: إن مما عهد في أحكام الشارع، وجرت سنته عليه، وعادته به أن يحيط ما عَظُم خطره (3)، وشَرُف قدره بمزيد من الشروط، وأن يوليه مزيداً من القيود؛ تفخيماً لقدره، وإعلاء لشأنه، والطعام لا يضاهيه سواه، ولا يساميه غيره؛ لأنه قوام حياة الإنسان، ومصدر عيشه، فلا غَرْوَ أن يخصه الشارع بشيء من الشروط. ففي الذخيرة: «كل ما شرف قدره عظَّمه الله بكثير شروطه، وهذا شأن الشرع في كل ما عظم خطره، كالنكاح سبب العفاف واستمرار النسل والمكاثرة بهذه الأمة الشريفة، فاشترط فيه الشرع الولي والصداق وغيرهما؛ تفخيماً لقدره» (4). وقال القرافي أيضاً في الفروق: «الفرق - أي بين الطعام وغيره - بأن الطعام أشرف من غيره، لكونه سبب قيام البنية وعماد الحياة، فشدد الشرع على عاداته في تكثير الشروط في ما عظم شرفه كاشتراط الولي والصداق في عقد النكاح من دون عقد البيع، وشرط في القضاء ما لم يشترطه في منصب الشهادة» (5).
هو
الوجه الثاني: إن دلالة الأولوية - وهي كون حكم المنطوق به أولى به المسكوت عنه - قائمة على أن توفر علة الحكم في المسكوت عنه أقوى من توفرها في المنطوق به، ولم تبينوا علّة الحكم في المنطوق به ليظهر مدى تحققها في المسكوت عنه.
وأما الوجه الثالث من استدلال المانعين فهو استدلال صحيح، لا فضية منه لو ثبتت صحة حديث حكيم، ونصية دلالة حديث زيد ما، لكنهما لم يثبتا).
الدليل الثالث: عن ابن عمر الله قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فكنت على بكر صعب
(1) الشيرازي، المهذب، ج 3، ص 61.
(2) الزركشي، شرح مختصر الخرقي، ج 3، ص 544.
(3) المراد بالخطر هنا المنزلة والقدر. الجوهري الصحاح، ج 1، ص 532.
(4) القرافي، الذخيرة، ج 5، ص 148.
(5) القرافي الفروق، ج 3، ص)
(6) يُنْظَرُ ضمن هذا البحث.
461 - 460
(7) ابن قدامة، المغني، ج 4، ص 101 - 102، والشوكاني، نيل الأوطار، ج 5، ص 207 - 208.