النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٢٣

نظرية القبض

د. محمد بن راشد بن صالح الغاربي

1023

وَيَرِدُ على هذا الدليل أن القول بأن علة منع بيع البيع قبل قبضه كونه مكيلاً أو موزوناً؛ لأن أصل الطعام الكيل أو الوزن، لا يظهر لي دليله، ولا يبين لي وجهه؛ فإن إثبات علية وصف ما؛ له طرق موصلة، ومسالك إليه هادية، لا يكتفى فيه بمجرد الدعوى.

تلك

هي أقوال أهل العلم في حكم بيع المبيع قبل قبضه وبعد عرض أدلة المذاهب وما أعقبها من مناقشات، وما تلاها من اعتراضات وردود فإن القول الأظهر هو جواز بيع المبيع قبل قبضه إلا الطعام وحده، وذلك لما بثثته في طوايا هذا البحث، وما أوردته إثر كل دليل من اعتراض وَرَةٌ، ولا يفوتني هنا أن أسجل الآتي:

أولاً: إن عمدة المانعين على المنع هو: حديث حكيم بن حزام؛ وهو حديث ضعيف؛ لما أوردته في موضعه، وكذا ما يروى من قوله صلى الله عليه وسلم لعتاب بن أسيد: « … فانههم عن بيع ما لم يقبضوا .. ». ثانياً: إن حديث زيد بن ثابت في النهي عن بيع السلع قبل حوزها إلى الرحال - وهو من أقوى ما عول عليه المانعون - لما ذهبوا إليه حديث تتطرق إلى دلالته احتمالات عديدة، وتتوجه نحوها ضروب شتى من التأويلات والقاعدة الأصولية الشهيرة: «إن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط

به الاستدلال».

المسألة،

وقد

ثالثاً: إن أدلتهم على المنع من النظر والمعقول معارضة بأدلة مخالفيهم في رأى جماعة من أهل العلم أن التعويل في هذه المسألة على المعقول غير مثمر؛ لخفاء علّة منع الطعام. قال ابن عبد البر في عدم جدوى التعويل على النظر في هذه المسألة: «ولكل طائفة في هذا الباب حجج من جهة النظر تركت ذكرها؛ لأن أكثرها تشغيب» (1).

المطلب الثاني: التصرف بالبيع في الأعيان المملوكة بغير الشراء

تمهيد:

ملك الشيء كما يستفاد بالشراء، يستفاد بغيره، وما يملك بغير الشراء أنواع:

النوع الأول: ما يملك بعقد معاوضة كالإجارة، والمناكحة والمخالعة والمصالحة، ونحو ذلك. النوع الثاني: ما يملك بعقد غير معاوضة كالوصية والهبة والصدقة، ونحو ذلك. النوع الثالث: ما يملك بغير عقد كالميراث، والغنيمة، والأرزاق التي يخرجها السلطان للناس. وفي هذا المبحث أبين حكم بيع ما ملك بغير الشراء قبل قبضه، ولا يخفى على القارئ، ولا يعزب عن ذهنه، أنني حين أعرض خلاف العلماء ومذاهبهم في هذه المسألة، فإنما أعرض

(1) ابن عبد البر، التمهيد، ج 13، ص 334.