النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٢٧نظرية القبض
د. محمد بن راشد بن صالح الغاربي
1027
والقول بالمنع اختيار القفّال من الشافعية وحمل نص الإمام الشافعي بالجواز على الغنيمة وهو محمل بعيد، لا يتفق ونص الإمام.
ثانياً: الأدلة
أولاً: أدلة القائلين بالجواز
الناظر في متفرق كلام القائلين بالجواز في هذه المسألة يرى أن لكل منهما على ذلك دليلين: دليل اتفقوا على الاستدلال به وانفرد كل منهم باستدلال، يتفق مع ما سبق أن قرره في بيع المبيع قبل القبض، وينسجم مع نظرته للمسألة.
مسألة
الدليل الأول: استدل المالكية على جواز ذلك - بما تقدم - من أن الرسول صلى الله عليه وسلم خص المباع من الطعام بمنع البيع قبل القبض من دون سواه، ويلحق بما ابتيع من الطعام ما ملك عن طريق المعاوضة؛ لأنه في معنى البيع، وأما ما يملكه الشخص من غير معاوضة، فلا دليل على منع بيعه قبل قبضه، بل يدل مفهوم الحديث على جوازه.
الدليل الثاني: استدل الشافعية على جواز ذلك، بأن من خرجت له هذه الأرزاق يملكها ملكاً مستقراً، وضمانها من صاحبها الذي أعطيت له، فبائعها ربح مما، ضمن، وليست كالمبيع؛ لأن ملكه لا يستقر إلا بالقبض، فإن باعه المشتري قبل قبضه فقد ربح مما لم يضمن.
الدليل الثالث: حديث حكيم بن حزام - المتقدم - أنه ابتاع طعاماً أمر به عمر بن الخطاب للناس، فباع حكيم الطعام قبل أن يستوفيه، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فردّه عليه، وقال: «لا تبع طعاماً ابتعته حتى تستوفيه» (4).
عمر
ووجه الاستدلال به على المراد ما قاله فيه الشافعي في ما نقله عنه البيهقي: «فلم ينه حكيماً أن يبتاع الطعام بالمدينة من الذين أمر لهم بالجار … ؛ إذ كانوا ملكوه بلا بيع» (5)، وإنما نهاه أن يبيع ما اشتراه ممن خرج لهم عطاء؛ لأنه ملكه بالبيع؛ ولذا فسخ عمر به البيع الثاني - وهو بيع حكيم للطعام الذي اشتراه -، ولم يفسخ البيع الأول، وهو بيع أهل الطعام
لحكيم.
(1) الرافعي، فتح العزيز، ج 4، ص 170 والنووي، المجموع، ج 9، ص 323، وروضة الطالبين، ج 3، ص 170.
(2) ابن عبد البر، الكافي، ص 320.
(3) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 10، ص 412.
(4) تقدم تخريجه.
(5) البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 351.