النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٢٩نظرية القبض
د. محمد بن راشد بن صالح الغاربي
1029
ثالثاً: مناقشة الأدلة والترجيح
1 - إن ما استدل به المالكية لبيع الأرزاق قبل قبضها، من قوله صلى الله عليه وسلم: من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه» استدلال صحيح؛ إذ علّق النبي نهيه بما ابتيع من دون سواه، مما يملك بغير طريق الشراء، فدل ذلك بمفهومه المخالف على جواز ما عداه.
بيع
2 - نهي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب له الله حكيم بن حزام أن يبيع طعاماً اشتراه قبل أن يستوفيه، وعدم نهيه له أن يشتري من تلك الأرزاق قبل قبض أربابها لها، دليل على أن المستقر عند الصحابة أن ما يمنع بيعه من الطعام قبل قبضه هو ما ملك بطريق الشراء؛ ولذا فسخ الله البيع الثاني من دون الأول، في صريح قول الراوي: «فرده عليه».
ذلك
-
(1)
-
3 - إن الاحتجاج بظاهر حديث أبي هريرة عند مسلم كما ذكر ذلك النووي على المنع، وبما ورد في الأثر الذي رواه مالك في موطئه: … فبعث مروان الحرس يتبعونها، ينزعونها من أيدي الناس، ويردونها إلى أهلها غير مسلم؛ لأن ذلك الظاهر - إن سُلّم به - مصروف بحديث حكيم بن حزام المتقدم وبأن زيد بن ثابت أحد المنكرين لبيع الكاك، الداخلين على مروان للنهي عن وهو يرى جواز بيع العطاء قبل القبض كما تقدم عنه، فكيف ينهى عما يرى جوازه؟! فعلم من ذلك أن الذي أنكره هو البيع الثاني، لا الأول. وأما ما في الأثر الذي في الموطأ من قوله: ويردونها إلى أهلها» (2)، فيحتمل الأمرين ويترجح أن المراد بـ يردونها إلى أهلها»، أي: الذين اشتروها وباعوها، لا الذين أعطيت لهم بما تقدم. قال ابن العربي: صكوك الجار نازلة بديعة، أطال فيها العلماء النفس، وما حلوا عقدة حبس والنكتة فيها: أن الذي فسخ الصحابة والعلماء هو البيع الثاني، ليس الأول». وقال أبو العباس القرطبي: البيع الذي أنكره أبو هريرة للصكوك، إنما هو بيع من اشتراه ممن رزقه، لا بيع من رزقه». وقد وهم أبو العباس القرطبي، فأجاب عن احتمال هذا اللفظ: «ويردونها»، لفسخ البيعتين، بأن تمام الحديث بيّن أنه فسخ البيع الثاني لا الأول، حيث قال: ويردونها إلى من ابتاعها)، وهذا اللفظ غير وارد في الأثر.
(4)
4 ـ وأما استدلال الحنفية على المنع بأن هذا من بيع ما لا يملك، أو أن هذا العطاء في حكم المعدوم، فغير مسلم؛ لأن لأهل العطاء حقاً على الشيوع في بيت مال المسلمين، وتعيين مقداره من قبل ولي الأمر إفراز له، وتمليك للمعطى، ممن هو أهل للتمليك (6).
(1) تقدم تخريجه.
(2) تقدم تخريجه.
(3) ابن العربي، القبس، ج 3، ص 263.
(4) أبو العباس القرطبي، المفهم، ج 4، ص 380.
(5) أبو العباس القرطبي، المفهم، ج 3، ص)
(6) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 19، ص 267.
380