النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٣٣

نظرية القبض

د. محمد بن راشد بن صالح الغاربي

1033

ومأخذ الحكم من الأثر واضح دل عليه كلام أبي بكر بمفهومه، ومنطوقه. فأما المفهوم ففي قوله: «فلو كنت جززتيه، واحتزتيه، كان لك. أي: فلما لم تَجُزِّيه، ولم تحوزية، فأنت وسائر الورثة فيه سواء؛ لعدم ثبوت ملكك عليه، بعدم قبضك إياه، وحوزك له. وأما المنطوق ففي قوله: «وإنما هو اليوم مال وارث».

2 - والدليل الثاني من الأثر على اشتراط القبض لملك الهبة قول عمر: (ما بال رجال ينحلون أبناءهم نحلاً، ثم يمسكونها، فإن مات ابن أحدهم قال: مالي بيدي لم أعطه أحداً، وإن مات هو، قال هو لابني قد كنت أعطيته إياه. من نحل نخلة فلم يحزها الذي نُحِلها حتى يكون إن مات لورثته، فهي باطل» (1). قال ابن عبد البر عقب هذا الأثر: «صح القضاء من الخليفتين: أبي بكر، وعمر، وروي ذلك عن عثمان وعلي أن الهبة لا تصح إلا بأن يحوزها الموهوب له في حياة الواهب، وينفرد بها دونه» (2).

استدل الحنفية (3) على اشتراط القبض لملك الهبة، بحديث: لا تجوز الهبة إلا مقبوضة» (4). وهو حديث لا يثبت مرفوعاً) وإنما هو من قول النخعي (6

وأما الدليل من النظر على اشتراط القبض لملك الهبة فهو أن عقد الهبة عقد تبرع، وعقد التبرع ضعيف في نفسه، فلا يثبت به الملك بمجرد القبول، بل لا بد من أمر آخر يعضده ويقويه، لينقل الملك الثابت للواهب على العين الموهوبة من الواهب إلى الموهوب له، وهو القبض، الذي به تنقطع علائق الواهب من الموهوب

(7)

وبناء على ما قررته من أن الهبة لا تملك إلا بالقبض، فإن الراجح عدم جواز بيعها قبل

قبضها، والله أعلم.

الفرع الثالث: بيان حكم بيع ما يملك بغير البيع من عقود المعاوضات قبل القبض إذا ملك الإنسان عيناً من الأعيان الجائزة التملك، بعقد من عقود المعاوضات سوى البيع، كأن يملكها بإجارة، أو بخلع، أو بنكاح، أو بصلح، ونحو ذلك، فهل يجوز له بيع ما ملكه بهذه العقود قبل أن يقبضه، أو لا يجوز له ذلك إلا بعد القبض؟ هذا ما سنعرض لبيانه في المقاصد التالية:

(1) مالك، الموطأ، كتاب الأقضية، باب ما لا يجوز من النحل، برقم (1421)، ج 7، ص 522 - مع شرحه المنتقى - وعبد الرزاق، المصنف، ج 9، ص 102 وابن حزم المحلى، ج 8، ص 64.

(2) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 22، ص 301.

(3) ينظر: السرخسي، المبسوط، ج 12، ص 48، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 5، ص 162.

183

(4) قال ابن حجر في الدراية، ص 183: «لم أجده». يعني مرفوعاً. وقال الزيلعي في نصب الراية، ج 4، ص 121: «غريب». (5) الزيلعي، نصب الراية ج 4 ص،121، وابن حجر، الهداية، ص (6) عبد الرزاق، المصنف، ج 9، ص 102، وانظر المصدرين السابقين. (7) السرخسي، المبسوط، ج 12، ص 48.