النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٣٩نظرية القبض
د. محمد بن راشد بن صالح الغاربي
1039
المقصد الثالث: مناقشة الأدلة
1 - إن عمدة التفريق بين ما ملك بعقد معاوضة ينفسخ بهلاك عوضه قبل القبض، وبين ما ملك بعقد معاوضة لا ينفسخ بهلاك عوضه قبل القبض، حيث يمتنع البيع قبل القبض في ما ملك بالنوع الأول من العقود، ويصح في ما ملك بالنوع الثاني منها هو تقرر الغرر في النوع الأول؛ للانفساخ، وانتفاؤه من النوع الثاني؛ لعدم انفساخ العقد بهلاك عوضه قبل القبض، وهذا غير مسلم به لوجهين الوجه الأول: أنا لا نسلم أن علّة منع البيع قبل القبض هي الغرر. والوجه الثاني: سبق بيان أن الراجح في المبيع المتعيّن غير ذي التوفية أنه يدخل في ضمان المشتري
بمجرد
العقد.
2 - ما علّل به الشافعية منع بيع الأعيان المضمونة ضمان عقد قبل قبضها، فيه نظر:
أولاً: إن تعليل المنع بضعف الملك؛ والذي يظهر في انفساخ العقد بهلاك المعقود عليه، غير مسلم لهم، وقد سبق تقرير استقرار ملك المشتري على العين المشتراة، من دون حاجة إلى القبض بطائفة من الأدلة، وأن المبيع المتعين الذي ليس فيه حق توفيه، يخرج من ضمان البائع إلى ضمان المشتري، بمجرد العقد من غير افتقار إلى القبض، وناهيك أن الله ل ناط البيع بالرضا، حيث قال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ
[النساء: 29].
فمناط صحة البيع هو رضا الطرفين، وليس لصحة عقد البيع من معنى إلا انتقال ملكية كل من البدلين من صاحبه الأول للثاني، واستقرار ملكية الآخر عليه، وليس القبض من تتمة ذلك، وإنما هو أثر من آثار ثبوت الملك (1).
ثانياً: تعليل المنع بتوالي الضمان يعكر عليه أمران:
الأول: لو كان التعليل بتوالي الضمان وجيهاً، لتفرع عنه تجويز بيع المبيع لبائعه قبل أن يقبضه مشتريه منه؛ لأن المبيع إن بيع على بائعه فلا يتوالى فيه الضمان؛ إذ لم يضمن إلا على بائعه، وحيث ارتفعت العلة ارتفع معها حكمها؛ إذ الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، لكن المقرر في الفقه الشافعي أن المبيع لا يجوز بيعه لبائعه قبل قبضه على الأصح، والقول بجوازه قول شاذ، ضعيف، وهذا يدلك على ضعف هذا المدرك عندهم في هذه المسألة.
الثاني: قررت في ما سبق أن الراجح أن الضمان في المبيع الذي لا يتعلّق به حق توفية ينتقل ضمانه إلى مشتريه بالعقد من دون حاجة إلى قبض.
(1) القرافي، الذخيرة، ج 5، ص 122، والشوكاني، السيل الجرار، ج 3، ص 10.