النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٤٧

نظرية القبض

د. محمد بن راشد بن صالح الغاربي

1047

والدليل الثاني من المنقول على جواز الشركة، والتولية والإقالة في الطعام قبل قبضه، ما نقله مالك في موطئه من أن أهل العلم أجمعوا على جواز ذلك، حيث قال: «ولا يحل بيع الطعام قبل أن يستوفى، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، غير أن أهل العلم قد أجمعوا على أنه: لا بأس بالشرك والتولية والإقالة في الطعام وغيره.

وفي هذا الاستدلال نظر؛ فإن ما ادعاه الإمام مالك من إجماع على جواز الشركة، والتولية، والإقالة، في الطعام قبل قبضه، لا يخلو إما أن يعني به إجماع الأمة، وإما أن يعني به إجماع أهل بلده، أو شيوخه، فإن كان يعني به إجماع الأمة، وهو احتمال بعيد، إن لم يكن متعذراً، فذلك غير مسلم به قطعاً؛ لشهرة الخلاف في المسألة، كشهرة الشمس في رابعة النهار.

وإن كان يعني به إجماع أهل بلده أو شيوخه - وهو الأقرب - فلا حجة في إجماعهم، كما سبق بيانه. قال ابن عبد البر: (وأحسبه أراد أهل العلم في عصره ره أو شيوخه الذين أخذ عنهم، وأما سائر العلماء فإنهم لا يجيزون الشركة، ولا التولية في الطعام … ».

وفي قول ابن عبد البر: وأحسبه أراد أهل العلم في عصره» نظر لا يخفى؛ فإن مالكاً إن قصد بالإجماع الذي نقله إجماع أهل العلم في عصره، فهو إجماع بمعناه الأصولي، وهو غير واقع يقيناً، وخفاء الخلاف على مالك في مثل هذه المسألة بعيد جداً.

ولعل في عبارة ابن عبد البر تصحيفاً، فيكون أصلها أهل مصره، فتصحفت إلى أهل عصره. وأما الدليل من النظر على جواز، الإقالة والتّولية والشركة أن هذه عقود مبنية على المعروف والإحسان، وليست مبنية على المغابنة والمكايسة، فلم تشبه البيع، ولم تضارعه (3). وأجيب بأن المعروف ليس بمعاوضة، وإنما هو محض إحسان، لا عوض عنه إلا الشكر والأجر، وفي هذا معاوضة وطلب بدل

(4)

ثالثاً: أدلّة المذهب الثالث: استدل الشافعية على ما ذهبوا إليه من عدم جواز التصرف قبل القبض بما يقابله عوض في الأعيان المملوكة، بعقد معاوضة بما استدلوا به على منع بيع ما كان من الأعيان مضموناً على من هو في يده، بعقد معاوضة قبل القبض، وقد تقدم بيان

ذلك وما يرد عليه.

(1) مالك، موطأ مالك، ج 6، ص 342، مع شرحه المنتقي.

(2) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 20، ص 62.

(3) مالك، موطأ مالك، ج 6، ص 342، مع شرحه المنتقي، وابن عبد البر، والكافي، ص 320، والباجي، المنتقي، ج 6، ص 274،

وعبد الوهاب، المعونة، ج 2، ص 15، وأبو العباس، القرطبي، ج 4، ص 378.

(4) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 20، ص 63.