النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٤٨

1048

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

رابعاً: أدلّة المذهب الرابع: استدل الحنابلة على ما ذهبوا إليه من تفصيل بالآتي: أما دليلهم على منع التصرف قبل القبض بما يقابله عوض، في البيع الذي لا يجوز بيعه قبل قبضه، بنحو: الإجارة، والرهن؛ فقياس هذه التصرفات على البيع؛ لأنها في معناه.

وأما تجويزهم التصرف قبل القبض، بما يقابله عوض، في المبيع، الذي لا يجوز بيعه قبل قبضه، بنحو، جعله مهراً، أو خلعاً، فوجهان:

فسادهما بتلف عوضهما قبل القبض.

الأول: عدم الثاني:: اغتفار الغرر اليسير فيهما؛ ولذا يصحان على ما لا قدرة على تسليمه، كالآبق والشارد.

وأما دليلهم على أن حكم ما يملك بعقد يخشى انفساخه بتلف عوضه قبل القبض حكم ما يملك بالبيع فهو القياس، وهو عينه دليل جمهورهم على أن حكم ما بعقد لا يخشى انفساخه بتلف عوضه قبل القبض ()؛ إذ لا أثر لذلك في الحكم بدليل أن الزبرة العظيمة من الحديد لا يخشى هلاكها والتصرف فيها قبل القبض ممنوع؛ لما يتعلق بها من حق التوفية.

بعد الاطلاع على مذاهب أهل العلم في حكم التصرف قبل القبض بما يقابله عوض في الأعيان المملوكة، والنظر في أدلة أرباب هذه المذاهب، وما انبنى عليه كل مذهب منها؛ فإن الذي يظهر له رجحانه هو جواز التصرف قبل القبض بما يقابله عوض في الأعيان المملوكة إلا الطعام؛ فإنه لا يجوز أخذ عوض عنه حتى يقبضه مالكه؛ وذلك لما رأيته مبثوثاً في طوايا هذا البحث من أدلة ومن إيرادات قادحة أدلة القول المخالف له، وأود هنا أن أذكر بأمور تقوّي ما اخترته وتعضد

ما ملت إليه وهي:

في

أولاً: إنه لم يصح نهي من الشارع عن البيع قبل القبض إلا في الطعام وحده ثانياً: المنع عن أخذ عوض عن الطعام قبل قبضه - مع أن النهي لم يرد عن البيع - لأن أخذ العوض عن الشيء والرضا بالبدل عنه في معنى بيعه لغة وشرعاً (4).

ثالثاً: إن تعليل النهي عن البيع قبل القبض بعلة من تلك العلل التي مر ذكرها وسبق بيانها، لم ينهض به دليل أصولي، ولم يعضده نظر صحيح؛ إذ إثبات غلبة وصف ما لحكم من الأحكام لا يكتفى فيه بمجرد التخييل، بل له طرق موصلة، وسبل مسلوكة، وصور هادية.

(1) ابن النجار، معونة أولي النهى، ج 5، ص 128، والبهوتي، كشاف القناع، ج 3، ص 280، وص 285. (2) ابن رجب القواعد، ص 78.

(3) يُنْظَرُ: ضمن هذا البحث.

(4) النووي، المجموع، ج 9، ص 208، وابن عبد البر، الكافي، ص 319. يُنْظَرُ: الغزالي، الوسيط، ج 3، ص 146.