النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٤٩

نظرية القبض

د. محمد بن راشد بن صالح الغاربي

1049

المطلب الثاني: التصرّف في الأعيان المملوكة قبل قبضها بما لا يقابله عوض الفرع الأول: مذاهب أهل العلم في المسألة

اختلف العلماء في حكم التصرف في الأعيان المملوكة قبل القبض، بما لا يقابله عوض، كوقفها، وهبتها، والتصدق بها، ونحو ذلك، على مذاهب:

المذهب الأول: للحنفية، وهو: إن العين المراد التصرف فيها قبل القبض لا تخلو:

إما أن تملك بعقد لا ينفسخ فيها العقد بهلاك العوض قبل القبض كالمهر، وإما أن تملك بعقد ينفسخ فيها العقد بهلاك العوض قبل القبض، كالبيع والإجارة إن كانت عيناً.

فإن ملكت بالنوع الأول من العقود جاز لمالكها أن يتصرف فيها قبل القبض بكل ضرب من ضروب التصرفات الجائزة شرعاً).

وإن ملكت بالنوع الثاني من العقود فالتصرف فيها قبل القبض بما لا يقابله عوض نوعان: النوع الأول: ما اتفق على جوازه قبل القبض، بينهم، وهو: الإيصاء بها، والعتق والتدبير، في المماليك (2). فمن ملك شيئاً بأي وجه من وجوه التمليكات، جاز له أن يوصي به قبل أن يقبضه. ففي فتح القدير: «ولو أوصى به قبل القبض، ثم مات قبل القبض صَحّتْ الوصية بالإجماع» (3). وكذا يجوز العتق والتدبير قبل القبض اتفاقاً.

النوع الثاني: ما اختلف في جوازه عندهم، وهو الهبة، والصدقة والقرض، والإعارة، على

قولين:

القول الأول: إن التصرف في ما ملك بعقد ينفسخ بهلاك العوض قبل القبض، بالهبة، والصدقة، والقرض والإعارة جائز قبل القبض. وإلى هذا ذهب محمد بن الحسن، وهو الأصح عند الحنفية (4). القول الثاني: إن التصرف قبل القبض في ما ذكر غير جائز. وبهذا قال أبو يوسف (5).

(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 4، ص 396، والموصلي، الاختيار، ج 2، ص 237، وابن الهمام، فتح القدير، ج 6، ص 512، وابن عابدين، رد المحتار، ج 7، ص 370.

244

(2) التدبير: المراد به هنا أن يقول السيد لعبده إذا مت فأنت حر يقال دبّرت العبد إذا علقت عتقه بموتك. والمدبّر: هو المطلق الذي قال له سيده إذا مت فأنت حر، وهو خاص بالرقيق، فلا يطلق ذلك إلا عليهم، فلا يقال للخيل والبغال وغيرها، مما يوصى به. ابن الأثير النهاية في غريب الحديث والأثر، ج 2، ص 93 والنسفي طلبة الطلبة، ص 115، وص 53، والنووي، تحرير ألفاظ التنبيه، ص (3) ابن الهمام، فتح القدير، ج 6، ص 512 والشلبي، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق، ج 4، ص (4) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج 4، ص 438، الحصكفي، الدر المختار، ج 7، ص 370، وابن عابدين رد المحتار، ج 7، ص 370. (5) السرخسي، المبسوط، ج 13، ص 8، والكاساني، بدائع الصنائع، ج 4، ص 395، وابن الهمام، فتح القدير، ج 6، ص 512.

438