النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٥٣نظرية القبض
د. محمد بن راشد بن صالح الغاربي
1053
ثانياً: إن المانع من التصرف عدم القبض، وبهذه التصرفات يصير قابضاً (1). ثالثاً: جواز هذه التصرفات يعتمد قيام ملك الرقبة، وقد وجد، بخلاف البيع، فإن صحته تفتقر إلى ملك الرقبة واليد جميعاً).
وأما دليل أبي يوسف على بطلان الهبة والصدقة، والقرض، والإعارة قبل القبض إن ملكت الأعيان المراد التصرف فيها، بعقد ينفسخ بهلاك عوضه قبل القبض فهو: إعمال الأصل الذي بنوا عليه فقه المسألة، وهو: إن ما ملك بهذا النوع من العقود، لا يؤمن منه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه، قال الكاساني: «ولأبي يوسف أن جواز هذه العقود مبني على الملك المطلق، وهو: ملك الرقبة واليد جميعاً؛ لأن به يقع الأمن غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه، وغرر الانفساخ ههنا ثابت، فلم يكن الملك مطلقاً فلم يجز» (3).
وأما تجويز محمد هذا النوع من التصرفات فل أن صحة هذه العقود بالقبض، فإذا أمره بالقبض، فقد أنابه مناب نفسه في القبض فصار بمنزلة الوكيل له، فإذا قبض بأمره قابضاً يصير عنه، أولاً بطريق النيابة، ثم لنفسه فيصح» (4). ثانياً: أدلّة المذهب الثاني: استدل المالكية على جواز التصرف بما لا يقابله عوض في الأعيان المملوكة قبل القبض:
أما جواز التصرف قبل القبض في غير الطعام فقد سبقت ادلتهم على ذلك مستوفاة.
وأما جواز التصرف في الطعام قبل القبض بما لا يقابله عوض فهو: عدم ورود الدليل بالمنع من ذلك، ولا يتناوله النهي عن بيع الطعام قبل القبض؛ لأن ما لا عوض فيه، ولا بدل عنه، فليس من البيع في شيء، ولا في معناه (5).
وإن تعجب فعجب استدلال ابن حزم على الجواز بالمفهوم المخالف من حديث حكيم بن حزام، أنه قال: يا رسول الله، إني رجل أشتري هذه البيوع، فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: «يا ابن أخي، إذا اشتريت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه» (6). قال ابن حزم: فهذا عموم لكل بيع ولكل ابتياع، وتخصيص لهما مما ليس بيعاً ولا ابتياعاً» (7).
(1) المصدر السابق نفسه.
(2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 4، ص 396.
(3) المصدر السابق نفسه.
(4) المصدر السابق نفسه. ويُنْظَرُ: السرخسي، المبسوط، ج 13، ص 8، وابن الهمام، فتح القدي، ج 6، ص 512.
(5) القرافي، الذخيرة، والباجي المنتقي، ج 6، ص 276.
(6) تقدم تخريجه.
(7) ابن حزم المحلى، ج 7، ص 473.