النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٨٠1080
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
وبالنظر في هذه العناصر الثلاثة التي خاض فيها المؤلف باختصار وبأسلوبه الكلامي المنطقي، نستطيع أن نستشف بعض النقاط:
الأولى: اطلاع الشيخ أبي المنذر على علوم كثيرة الكلام) والفلسفة والمنطق) وأخذه منها بحظ وافر منه وقدرته على المساهمة فيه بما يدافع به عن العقيدة الإسلامية أمام خصومها من الفلاسفة وأهل الجدل.
الثانية مواكبة العلماء العُمانيين لما يدور في حواضر الإسلام الأخرى في مختلف العلوم، إذ إن علم الفلسفة والمنطق لم يكن له مريدوه في عُمان، وليس له مدرسة مشهورة أو أساتذة يشار إليهم بالبنان، ولكن ظهور مثل هذا الخطاب بصورة مبكرة في كتبهم يكشف أنهم كانوا يتابعون ما يتداوله علماء تلك الحواضر ويدرسونه بإمعان ويستوعبونه جيداً، ثُمَّ يشاركون فيه برأيهم
وفكرهم.
وبعد انتهاء المؤلف من هذه العناصر التي استفتح بها مقدمته نجده يعرج إلى موضوع الكتاب الرئيس بصورة متدرجة منتقلاً من العنصر الثالث بصورة منطقية فيقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم «فلما اتصلت دعوته وقامت حجته وظهرت أعلامه وحكمته قطع الله بها عذر من شاهده أو غاب عنه في أنه الصادق في دعوته، وأن حقاً ما جاءهم عن الله به … » (ص 32). ثُمَّ نجده يوضح بعد ذلك أن الرسول الكريم عندما بدأ الدعوة بدأها سرّاً لمدة ثلاث سنين ثُمَّ جهر بها عشر سنين بمكة، واتبع في دعوته أفصح المقال وأحسن البيان مع الزجر الجميل، والقول السديد بالمواعظ الشافية والحكمة البالغة، يجادلهم بالحسنى ويصبر منهم على الأذى» (ص 32).
إنه يريد القول بأن الدعوة في بدايتها لم تسلك سبيل العنف ولا القتل ولا الاعتداء، وإنما كانت بالطرق السلمية وبالحكمة والجدال بالتي هي أحسن، بل كان العنف من قبل المشركين ومع ذلك تحمّل أذاهم وصبر على فتنتهم.
ثُمَّ يستطرد المؤلف في ذكر سَيْر دعوة الرسول الكريم واضطراره إلى الهجرة بعد ذلك إلى يثرب هو وأصحابه وإيواء الأنصار لهم، ثُمَّ يذكر أن الدعوة بعد ذلك رخص لها بالجهاد والدفاع عن النفس فيقول: «فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه كان أول ما أوحي إليه من ذكر القتال أن أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39] ثُمَّ قال: ﴿وَقَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 190] نهياً عن قتال من لم يقاتلهم» (ص 32).
وواضح من هذا الكلام أن المؤلف يريد أن يوصل رسالة مهمة مفادها أن الدعوة عند المسلمين إنما تكون في بدايتها بالحسنى واللين ولا يستخدم فيها السلاح إلا دفاعا عن النفس ورفعاً لاعتداء وقع عليهم، كما كان ذلك في سيرة المصطفى.