النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٠٩أبو عبيد القاسم بن سلام: كتابه: الناسخ والمنسوخ
أ. حسّان موسى
|
109
ثُمَّ ترك الأمر من غير ترجيح أو تعقيب. وفي باب الحدود عند ذكره لآية المائدة ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 142 ودعوى نسخها ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ﴾ [المائدة: 49] تجده أورد الأقوال والآثار الدالة على نسخ الأقوال والآثار الدالة على الأحكام، ثُمَّ ترك الأمر بلا ترجيح أو تعقيب.
3 ـ أبو عبيد عند تناوله لبعض أبواب الكتاب يكتفي بإيراد الآثار والأحاديث ذات الصلة الوثيقة بالموضوع من دون أدنى مناقشة لتلك النصوص والأقوال، أو يليها بالتعقيب لاستنباط ما تضمنته من دلائل وأحكام، حيث تبرز هذه الظاهرة في كل من باب: قيام الليل، باب التقوى، باب مؤاخذة العباد بما يخفى في النفوس، باب الاستغفار للمشركين، إذ يواجه القارئ محتوى تلك الأبواب بمجموعة من الآثار المروية بأسانيدها مجردة من التصنيف والإبانة والتحليل.
مفهوم مصطلح النسخ والمنسوخ عند أبي عبيد
قبل الدخول في بيان هذا المصطلح عند أبي عبيد لا بد من الإشارة إلى مفهوم النسخ عند الصحابة والتابعين وأهل العصر الأوّل للتدوين، ومن جاء بعد ذلك من الأصوليين. [النسخ لغة: يستعمل في الرفع والإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، ونسخت الرياح الآثار؛ إذا أزالتها. ويستعمل في النقل، يقال: نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه، وإن لم تزل الشيء عن موضعه.
النسخ اصطلاحاً ما يلاحظ الباحث عن هذا التعريف في مظانه أن النسخ مصطلح واحد يستخدم في التعبير عن معان مختلفة، مثل: التخصيص، الاستثناء، وتفسير النص المتقدم بالنص المتأخر، وإلغاء الحكم الشرعي الذي دل عليه نص متقدم بنص متأخر، وقد عرف العلماء النسخ بتعريفات متعددة نذكر منها:
•
هو بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي منزاح عنه، وعرّفه الأصولي القاضي الباقلاني بأنه رفع حكم شرعي بدليل شرعي متراخ عنه.
كما اصطلح على النسخ التخصيص، والاستثناء، أو تفسير النص المتقدم بالنص المتأخر، وهو المصطلح الشائع عند الصحابة حيث يلاحظ أي باحث أو دارس أن استخدام المصطلح لم يستلزم منهم إلغاء عملياً للنصوص أو الأحكام، وإنما كان استخداماً لغوياً محضاً، ولا مشاحة في الاصطلاح، وهذه بعض الأمثلة:
(1) باب الزكاة، ص 32.