النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١١٠110
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
روى النسائي عن ابن عباس قال: «في قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ بِالْإِيمَنِ وَلَكِن مِّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: 106] فنسخ واستثنى من فقال {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمُ) [النحل: 110]؛ فمعنى
النسخ
هنا الاستثناء. هو
مثال ثان: روى أبو داود في سننه عن ابن عباس قال ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: 224] فنسخ من ذلك واستثنى فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء: 227]، فمعنى النسخ هاهنا الاستثناء.
مثال ثالث: روى أبو داود عن ابن عباس قال: {إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [التوبة: 39]، ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَسُولِ اللَّهِ … ) [التوبة: 120] نسختها الآية التي تليها (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَةً﴾ [التوبة: 122]؛ فمعنى النسخ هنا
الإيضاح والتفصيل.
وأوضح من خلال ما سبق أن النسخ في كل ما سبق لا يعني الرفع والإزالة لمعنى أو لنص، أو لحكم الآيات المنسوخة كما قد يوحي التعبير، وإنما يعيّن التخصيص والتفسير والاستثناء من العموم.
6
(2)
أما إطلاق النسخ على إلغاء الأحكام الشرعية فهناك اتفاق في كتب الأصول على جزء من التعريف، وهو رفع حكم شرعي بدليل متأخر ورفع الحكم يعني الإلغاء المؤيد لهذا الحكم، فلا يحل إعمال الحكم المنسوخ بحال)، وهناك اتفاق أيضاً على الإنكار على اليهود لتفهم النسخ بدعوى تنفي البدء على الله تعالى أي أن يبدو له شيء في الزمان، وهذا من باب إنكارهم نسخ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم الشريعة اليهود هناك خلافات حول أجزاء من تعريف النسخ يمكن أن تعتبر خلافات لفظية نظرا لعدم ترتيب فوائد فقهية عملية عليها، مثل هل حكم النسخ بيان أم تبديل للحكم المنسوخ؟ وهل الحكم ينهي الحكم المنسوخ، ولولا الحكم الناسخ لكان الحكم المنسوخ ثابتاً، أم أن الحكم المنسوخ كان محدوداً بصرف النظر عن الحكم الناسخ؟ وهل يجوز النسخ على النص الذي يدل لفظه على تأييد الحكم؟ وهل يدخل النسخ على الأخبار والأوامر أم الأوامر فقط؟ وهل يجوز نسخ طلب قبل التمكن من امتثاله؟ (3).
(1) الرسالة الشافعي، ص 108 البرهان الجويني، 143/ 2. الأحكام الترمذي، 127/ 3. المستصفي، الغزالي، 86/ 1.
(2) المرجع السابق نفسه.
(3) مناهل العرفان، الزرقاني، 163/ 2.