النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٨٣كتاب المحاربة) للعلّامة بشير بن محمد بن محبوب
د. بدر بن هلال بن حمود اليحمدي
1083
أجل الحرب والقتل والاعتداء بغير سبب، ولا انتقاماً، ولا من أجل غنائم معينة وإنما تكون لهدف
نبيل وهو نشر الإسلام، فلا بد في البداية من تعريفهم الإسلام ودعوتهم إليه وحثهم على اعتناقه، فإن رفضوا فعندئذ يجوز قتالهم قال تعالى: {وَقَتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وفي هذا فهم دقيق لرسالة الإسلام السمحة، التي لا تبتدئ بالقتال وإنما بدعوة الناس دعوة كاملة مستوفية شروط التبليغ والإعلام والإقناع وليس مجرد الخبر السريع، ومن ثُمَّ
فرض الدين بالقوة.
وبعد أن يذكر النهي عن الغلول وعن قتل الشيخ الفاني والنساء والصبيان والرسل يذكر أن ممن يمنع قتله أيضاً: «من دخل منهم أي المشركون إلى المسلمين بأمان ما لم ينقض الرسول منهم ومن لا عندهم عهد الأمان له بعدوان، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجير على المسلمين أدناهم» وعلى المسلمين إجازة ذلك من حُرِّهم وعبدهم وذكرهم وأُنثاهم» (ص 36).
وفي هذه الأحكام ما يدل على سماحة الإسلام واحترامه للعهود والمواثيق والكرامة الإنسانية حيث يتيح للمشرك أن يطلب الأمان من أي مسلم ويستجير بأي شخص فيهم بدليل قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6]، فلا بأس بالأمان ويرى عن قرب المجتمع المسلم ويسمع كلام الله ويطلع على القيم السمحة لعله
يحس
أن يهتدي إلى الإسلام فيدخل فيه ويتوب.
وكذلك يلاحظ من هذه المبادئ احترام الإنسان ذكراً كان أو أنثى حراً أو عبداً، فتحترم جيرتهم
وتعتبر ذمتهم، فالحديث واضح ولا ينبغي تجاوزه من قبل أي شخص لا يعتد بالمرأة أو العبد. وعندما يتطرق إلى موضوع الصلح بين المسلمين وغيرهم وخصوصاً أهل الكتاب يقول المؤلف: «وإذا وقع بينهم عهد وصلح فعلى المسلمين الوفاء به، كان إلى مدة أو غير مدة، فليس لأحد من المسلمين الزيادة عليهم فوق ما جرى عليه صلحهم» (ص 37)، فهو ينص على مبدأ الوفاء بالعهود كما أمر الله سبحانه في قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] ولا ينبغي لأحد الخروج عن الوفاء بأي حجة إلا إن خاف خيانة فله أن ينبذ إليهم على سواء.
ثُمَّ يضع
ضابطاً
للصلح فيقول: «ولا صلح ما كان فيه إظهار شيء من دعوة الكفر وتشريفه في دار الإسلام، وإن عدا أهل الكفر في دار الإسلام بعدوان كان ذلك نقضاً منهم لعهدهم ورجعت به
الحرب عليهم» (ص 37).
وعندما يتطرق إلى الآثار المترتبة على الحرب بين المسلمين والمشركين يستثني أهل الأوثان من العرب من السباء والجزية، لكنه لا يجيز مناكحتهم ولا موارثتهم ولا أكل ذبائحهم، وفي الوقت نفسه لا يُقَرُّون على دينهم، وليس لهم إلا الإسلام أو ضرب أعناقهم» (ص 37).