النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٨٦1086
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
ويختم مسألة الوجوب بقوله: فهذا بيان فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تاركهما مع غير عجز ولا تقية وأن يكفيه ذلك غيره عاص الله ورسوله بحكم الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة، ومن العقول التي جعلها الله حجة لهم وأعظم بها المنة، ذلك هدى من الله يهدي به من يشاء إلى صراط مستقيم» (ص 41).
وبعد ذلك يدخل في تفصيلات هذا الموضوع، فأول ما يبدأ به تقرير أن المنكر ليس كله على درجة واحدة فيقول: «ثم إنه قد يختلف الإنكار لعلة اختلاف المنكرات وأحوال المنكرين لها في الإمكان لهم ص (42)، ويذكر أن الكفار وأهل البغي يُحاربون إذا لم يرجعوا عن كفرهم وبغيهم ولم يكن لهم عهد، ثُمَّ يأتي إلى أهل الأحداث من المسلمين وهو يقصد أولئك الذين يرتكبون بعض المنكرات مما توجب العقوبة بالكيفية التي يراها الأئمة فيقول: «وأما أهل الأحداث فعلى ما تراه الأئمة وأمراؤهم عليهم من حبسهم وتقييدهم وتعزيرهم على قدر الأحداث في عظمها، ومبلغ صحتها ومقدار التهمة بها في تأكيدها، وأما الحدود فلا تتجاوز إقامتها على أهلها» أي: لا يبالغ في تطبيقها بحيث تصيب من ليس عليه حد، ولعله يستند في ذلك إلى قوله تعالى: وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ، سُلْطَنَا فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا} [الإسراء: 33]. ثُمَّ يقول: «وأما ما يجوز أن يكون صغيراً من معاصيهم فالزجر لهم والوعظ لهم فيها والاستتابة
لهم منها، فإن أصروا عليها ومنعوا التوبة منها عوقبوا عليها إلى أن يرجعوا عنها» (ص 42). ويبيّن بعد ذلك أقل درجات الإنكار فيقول: (وأما الإنكار في قدر الإمكان فأقل ذلك الكراهية للمنكر من أهله، وكذلك المعروف الإرادة له ممن يجب ذلك عليه، فإذا أظهر هذه الكراهية وهذه الإرادة له قامتا مقام المخاطبة بذلك» (ص 42).
لكنه يرى بعد ذلك أن الْمُنكِر إن غلب على ظنه أنه يُقبل منه؛ فعليه أن يقوم بالخطاب ولا يكتفي بالكراهية فيقول: (إلا) أن يكون معه أنه إن خاطب بذلك قبل منه فإنه يجب المخاطبة
عليه» (ص 42).
إننا نفهم من هذا الذي يذكره أنه يفسر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»، وهو تفسير مهم، يُفقه المسلم بكيفية العمل بهذا الحديث، فكل أحد مطالب بالتغيير بحسب ما أوتي من قدرات ومواهب، كما أن عليه أن يفهم الجهة التي يوجّه إليها النقد، فإذا قدر الإجابة فعليه أن يسارع إلى توجيه النصح والإرشاد، وإن رأى العكس فيكتفي بالإنكار القلبي، وهكذا.
ثُمَّ نجد المؤلف يقسم الفئات الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر إلى قسمين، فيقول: وبعد هذا، فلجملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أقسام منها ما يجب على الكافة مقدار