النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٩١كتاب المحاربة) للعلّامة بشير بن محمد بن محبوب
د. بدر بن هلال بن حمود اليحمدي
1091
ل - ويقول عن الذين يبقون في معسكر البغاة وليسوا محاربين: وإن على من في عسكرهم ممن ليس بحرب للمسلمين أن يعتزل عسكرهم في وقت الحرب لهم، فإن لم يفعلوا فلا إثم على المسلمين فيما أصابهم إن شاء الله تعالى ولهم الدية والكفارة» (ص 51).
م - ويفسر لنا المؤلف قول الفقهاء ولا يتبع مدبرهم فيقول: «فالمعنى في ذلك ـ والله أعلم - ألا يُقتلوا منهزمين ما كان ذلك تفرقاً منهم إلى غير فئة لهم يتراجعون بها إلى حرب المسلمين، فإن ظهر للمسلمين في تفرقهم توبة منهم عن بغيهم وأمنوا معاودتهم للبغي عليهم أمسك المسلمون عن اتباعهم (ص 52)؛ إنه يريد القول: إن الهدف ليس هو القتل والانتقام وإنما هو إيقاف البغي والظلم، فإذا ما تحقق فلا داعي إلى الحرب والقتال، غير أنه يحتاط في ما إذا كان لهؤلاء البغاة فئة يرجعون إليها ولم يأمن المسلمون شر معاودتهم إلى البغي فيقول: «وإن لم يكن ذلك [أي التوبة وعدم الفيء إلى فئة ولم يأمن المسلمون تراجعهم إلى فئة لهم يرجعون بها إلى حرب المسلمين وإلى بغيهم عليهم، أو يظلمون الناس في مسالك انهزامهم، اتبعهم المسلمون ليأسروهم ويحبسوهم إلى أن يأمن المسلمون ذلك منهم (ص (52)، إنه يفطن إلى أن لكل حدث حكمه، ولكل ظرف فقهه، فليست الأمور على إطلاقها، بل لا بد من فهم واقع هؤلاء البغاة ومعرفة مقاصدهم حتى يكون التصرف إزاءهم بناء على تصرفاتهم، وهذا يعكس الخبرة الكبيرة بمثل هذه الظروف التي أدت إلى وضع هذه، الأحكام والضوابط.
ن ـ وفي كيفية معاملة أسرى البغاة يقول المؤلف: «وقد قيل بقتل من قتل أحداً من المسلمين من الباغين وبحبس من لا يؤمن معاودتهم للبغي عليهم، وإرسال من تاب من المذنبين منهم، وإن كان في الأسارى إمام البغي، وكان قد قتل بتبعته فللإمام قتله أو المن عليه، وإن ألقى بيده تائبا
يخل سبيله ما أمن معاودته لبغيه، وإن لم يأمن ذلك منه حبسه إلى أن يأمن بغيه» (ص 52). إنه فقه دقيق يضع لكل مشكلة حلاً ولكل واقعة حكماً، وكل ذلك دليل سعة في الأفق، وبعد نظر وحكمة وخبرة، تدل كلها على عمق التفكير الذي كان يتمتع به هذا المؤلف والمدرسة التي ينتمي إليها. ص - وعلى الرغم من أن المؤلف قد قرر سابقاً عدم جواز قتل الأطفال والنساء والعجزة إلا أنه أن هؤلاء إذا قاموا بالقتال، فإنهم يقاتلون ما لم يكن هناك بد من قتالهم، فيقول: «وكل محارب من نساء الباغين وأطفالهم ومجبورهم فجائز قتلهم ما لم يكن من دون القتل من ذلك منعهم» (ص 52).
يرى
ع - وبخصوص الجرحى فيرى أنه لا يجهز عليهم ما كانت جراحاتهم تحول بينهم وبين البغي والظلم، نحو ما قلناه في الأسارى منهم، وإن كانت به جراحات خفيفة غير معجزة له عن بغيه فسبيله سبيل أصحابه، وإن كان مع ما به من الجراحة مقيماً على الظلم والبغي فللمسلمين قتله ما لم يمكنهم منعه من ذلك إلا بقتله» (ص 53).