النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١١١

أبو عبيد القاسم بن سلام: كتابه: الناسخ والمنسوخ

أ. حسّان موسى

111

ومن خلال الممهدات السابقة يمكن القول إن أبا عبيد نحا منهج السلف ما قبل التدوين، وهذا يتضح جلياً من خلال الأمثلة التالية:

1 - ذكر أبو عبيد في باب الصيام حديث عدي بن حاتم الذي قال فيه لما نزلت هذه الآية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187] عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض (1)، وبعد أن ذكر الأحاديث الواردة في الموضوع قال أبو عبيد: فهذا ما كان من نسخ الطعام والشراب والنكاح في الصوم؛ فاعتبر إزالة المفهوم الباطل للآية الذي علق به من عدي بن حاتم «نسخاً».

2 - في باب النكاح قال أبو عبيد: وأما الحرام الذي نسخه الحلال، فنكاح نساء أهل الكتاب ثُمَّ أورد أثراً عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ) [البقرة: 221] قال: ثُمَّ استثنى أهل الكتاب فقال: وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5]، ذكر بعده أثراً عن الأوزاعي سببها بالأول، ثُمَّ عقب أبو عبيد على ذلك بقوله، فرأي ابن عباس والأوزاعي أن الناسخ من الآيتين هذه التي في المائدة، فعدّ أبو عبيد الاستثناء المصرح به في قول ابن عباس، نسخاً، وفي ذلك دلالة على اعتماده مفهوم

السلف للنسخ.

3 - في باب الطلاق قال أبو عبيد: أما الطلاق فإنا لا نعلم فيه ناسخاً ولا منسوخاً إلا في موضعين: في دية الخلع، وعدة الوفاة، ثُمَّ ذكر أن ابن عباس قال: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا وَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا [البقرة: 229]، قال: ثُمَّ استثنى فقال: ﴿إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 229]. ولا شك أن قول ابن عباس صريح في الدلالة على الاستثناء أن (إلا) أخرجت المستثنى الذي بعدها من دخوله في التحريم المنصوص عليه بأول الآية … لكن جرياً على طريقة السلف سمّى أبو عبيد هذا نسخاً.

4 - في باب الشهادة قال أبو عبيد: قوله قال: (إِنَّمَا جَزَاؤُاً الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِن الْأَرْضِ} [المائدة: 33])، ثُمَّ قال بعد ذلك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فليس يختلف المسلمون أن هذا الاستثناء ناسخ للآية من أولها، وأن التوبة لهؤلاء جميعاً بمنزلة واحدة … كذلك نلاحظها أن

أبا عبيد جرياً على طريقة السلف اعتبر الاستثناء نسخاً.

(2).

(1) باب الصيام، ص)

(2) باب الشهادات ص

29

154