النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٩٨

1098

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

المجتمعات الإسلامية. إذ لم تغادر صغيرة ولا كبيرة من وقائع تلك المجتمعات؛ إلا وسجلتها بأمانة ودقة تدعو إلى الدهشة والعجب.

والحديث عن خصائص الفقه الإسلامي حديث ذو شجون، تتوزعه مجالات عديدة، وزوايا مختلفة، يستحيل حصرها في بحث محدود وورقات معدودة.

بيد أن موضوعنا يتحدد في هذه الصفحات بمحور التنظير الفقهي إجمالاً، وبميدان العمران تحديدا، وبمساهمة متميزة فيه كانت من قبل عالم من علماء المغرب الإسلامي، هو: أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي، في كتابه: «القسمة وأصول الأرضين».

وتدرّجاً من العام إلى الخاص، ومن الكلي إلى الجزئي، ننطلق من مفهوم فقه العمران ومدوناته، لنخلص إلى أبي العباس الفرسطائي ومؤلفاته، ثم نخصص حديثنا عن فقه العمارة في كتابه، وما أسهم به في هذا المجال الحضاري المهم.

فقه العمران المفهوم، والتنظير والنتاج

يقوم العمران على فلسفة المجتمع في معنى العمارة، وترجمة ذلك على صعيد الواقع، ويتولى فقه العمران الإسلامي مهمة التوجيه والترشيد لمسار هذا العمران، بما ينسجم ومبادئ المجتمع وقيمه، وهي مبادئ تقاة من شريعة الإسلام، ويحقق أهدافه في الحياة كما أرادها

رب

الأنام.

مس

وتتداخل المفاهيم أحياناً بين العمارة والعمران فيراهما البعض مترادفين، بينما يذهب البعض إلى التمييز بينهما باعتبار أن مصطلح العمران لا يستوعبه مصطلح التعمير؛ لأنَّ التعمير بالمفهوم الغربي مصطلح مبالغ في التمدن؛ يلغي نمط حياة البداوة، ويهيكل البيئة القروية وفق أنموذج خاص لحياة المدنية. فهو عمران اقترن وجوده بالعصر الصناعي، بينما يستوعب العمران كل أنماط حياة البشر، المدني منها والقروي والبدوي على حد سواء).

وقد أشار ابن خلدون إلى ضرورة هذا التمازج بين ألوان الحياة لبناء الحضارة؛ لأنَّ اجتماع البشر ضروري لتبادل المصالح بين الناس، فيَكْمُل وجودهم وما أراده الله من اعتمار الأرض واستخلافهم فيها. بل إن ابن خلدون جعل العمران البدوي نوعاً من أنواع العمران، فلم يقصره على نمط المدينة كما ذهب إلى ذلك الفكر الاجتماعي الغربي

(2)

(1) ينظر: د. العربي بو عياد، نحو تصور إسلامي معاصر لقضايا العمران مجلة حراء السنة السابعة، عدد 27، نوفمبر/ديسمبر

2011، صفحات 16 - 19.

(2) ابن خلدون المقدمة، ص 41.