النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬١١٤1114
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
وفي حرث الأرض أيضاً مسائل تتعدد بتعدد صور الانتفاع والاشتراك، والاعتداءات والغصوب الواقعة بين الناس في هذا المجال، وما ترتب عنها من اختلاف ومنازعات، سواء في الأرض أو الأشجار، أو البذور أو الثمار.
(1)
وكذلك الحال في أعمال الأرض من استصلاح وحرث وتأبير وجذاذ للثمار وأحياناً تنزل مصيبة الموت على أحد الناس وهو صاحب أرض أو صاحب عمل، أو شريك في ذلك، فكيف تفصل تلك الحقوق وتضمن لأهلها، الأحياء منهم أو الأموات (2).
حقوق الحريم
الحديث عن حقوق الحريم حديث شيّق ورائق، وتفاصيل أحكامه في الفقه الإسلامي إجمالاً، وفي فقه العمارة خصوصاً، يقدم صورة رائعة عن العدل الشامل الذي أقامه الإسلام في واقع الناس.
وقد أفاض أبو العباس في أحكام حريم العمارة، بدءا بالطريق، فالأشجار، فالمباني، من بيوت ومساجد، وامتداداً إلى الأودية والأنهار وانتهاء بالصحارى والبحار.
ومن باب التدليل على دقة وروعة هذا الفقه العملي الواقعي الذي يمثل الحضارة بأسمى معانيها، ضماناً لحقوق كل المنتفعين بعناصر الحياة من سكن وغذاء، وهواء وماء، وعبور وراحة وظلال. نشير إلى تفاصيل هذا الموضوع، إذ تناوله أبو العباس محدداً حريم الأشجار وما لها من حقوق وحدود في عروقها وأغصانها، وسواء وقعت في ملكية خاصة أو مشتركة، أم نبتت على حافة ساقية جارية أم كانت بجنب أرض قوم أو في مسجد أو مقبرة. وبيّن دقائق أحكام حريمها؛ بصورة وافية ضافية (3).
يعمر
ومن شواهد هذه الأحكام قوله: «وَأَما من له شجرة في أرض غيره، وأراد صاحب الأرض أن أرضه فمنعه صاحب الشجرة من قطع عروق شجرته، فكل ما رد له الحريم شجرته فإنَّه يمنعه من عمارته، سواء قطع العروق أو لم يقطعها، وما جاوز حريمها فإنه يعمره عمارة لا يضر بها الشجرة بغير قطع العروق، ولصاحب الأرض أن يمنع إن تجاوز الموضع الذي بلغته في ما جاوز الحريم، وإن جاوزت ذلك فليقطعها، وكذلك ورثته من بعده، ولا تكون عليه تباعة، وبالجملة الجواب في العروق مثل الجواب في الفروع. وَأَما إن غرس في أرضه شجرة فجازت
(1) أبو العباس، القسمة، ص 334 - 336.
(2) المصدر السابق، ص 336. (3) المصدر السابق، ص 518 - 533.