النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬١٣٧كتاب (الإعلان) بأحكام (البنيان لابن الرامي رؤية حضارية
أ. د. محمد عبد الستار عثمان
1137
والانحدار
بسبب
الأحداث التي عايشتها البلاد بعد صراع على الحكم وعاصر ابن الرامي فترة مهمة من فترات الاستقرار وبخاصة في عهد أبي يحيى أبي بكر أبي زكريا، حيث تحسنت أحوال الناس، وكثر الرخاء، وعم الخير، وبعد وفاته 747 هـ عادت البلاد إلى الانحلال، وفتحت أبواب الفتن). ولا شك أن حالة الازدهار تنعكس بصورة مباشرة في العمران والعمارة.
ومن المهم أن نشير إلى ارتباط التأليف في مجال فقه العمران بالحالة السياسية والاقتصادية والثقافية التي تسود في عصر من العصور، وينعكس هذا بوضوح في تاريخ العمران ببلاد الشمال الإفريقي تحديداً، فقد ازدهر العمران على سبيل المثال في عهد الأغالبة، حيث يمكن اعتبار عصر الأغالبة العصر الذي تبلورت فيه فكرة تأسيس المدينة وفق اعتبارات عمرانية ومؤسسات مهيكلة أشرف على مراقبتها وتسييرها فقهاء وقضاة قد سبق للجميع أن اطلعوا على مدون الإمام سحنون التي تعد وثيقة رسمية تتضمن أحكاماً، وإجراءات قام بتشخيصها ووضعها الإمام سحنون، الذي عالج المسائل بطريقة الأمر الواقع، وهي طريقة لا تبحث إلا في الخلاف الحاصل في ذاته باعتبار الظروف المحيطة بالمخالف فحسب، حيث تحول الفقيه من فقيه مجتهد إلى قاض عقلاني، وفقد المصطلح الفقهي محتواه في المعنى والمدلول» (3).
وكانت الدولة الرستمية أول دولة إباضية تنشأ في الشمال الإفريقي، وبعد سقوط هذه الدولة لجأ الإباضيون إلى وارجلان وبعضهم إلى وادي مزاب في الصحراء الجزائرية، حفاظاً على مذهبهم بعيداً عن غضب وأذى الحكام في منطقة الساحل. وهذه الهجرة تبعتها حركة كبيرة في بناء المدن وعمرانها، وهو ما استتبع تطبيق فقه العمران التي تنظم أحكامه حركة العمران والبناء وتضبطها، وتكفّل فقهاء الإباضية بهذه المهمة التي واكبت هذه الظروف، وساعد على تنفيذها تلك المؤسسات الدينية الإباضية التي تنظم حياة المجتمع الإباضي في كل الجوانب، ومنها «نظام العزابة»، الذي اهتم اهتماماً واضحاً بالمحافظة على المنشآت الدينية والحربية وساعد على استمرارها في أداء وظائفها كما كان له اهتمام آخر بالأوقاف التي تييسر السبيل إلى ذلك، ويفسر هذا ذلك النتاج الفقهي المهم في مجال العمران، والذي يمثّل كتاب قسمة الأرض للفرسطائي أحد ثماره اليانعة. ونظام العزابة: نظام ديني وردت الإشارة إلى أن مؤسسه الشيخ محمد بن بكر الفرسطائي أحد علماء القرن الرابع الهجري، وهو والد الشيخ أبي العباس أحمد صاحب كتاب القسمة وأصول الأرضين، وهناك من يقول: إن الشيخ أحمد شارك والده في تأسيس هذا النظام. ويقوم هذا النظام
(1) ابن الأطرم: دراسته لكتاب الإعلان، ص 51.
79
(2) ابن سحنون: هو محمد بن عبد السلام بن سعيد التنوخي (ت: 256 هـ)، راجع الأطرم، دراسته لكتاب الإعلان، ص) (3) شقربة (مصطفى محمد): عناية الفقه بالموروث العمراني بإفريقية خلال القرون الأربعة الأولى للهجرة، بحث بكتاب قرارات من الفكر المعماري والعمراني العربي والإسلامي، نشر جامعة الزيتونة 2008 م، ص 10 - 11.