النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬١٤٢

1142

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

ويرتكز المنهج في مجال الفقه الإسلامي بصفة عامة على الاستقراء، بمعنى استقراء النصوص استقراء تاماً سواء كانت نفياً أو إثباتاً عامةً أو خاصةً، مطلقةً أو مقيدةً، ثم تصنيفها وترتيبها بحسب ما يقتضي التحليل العلمي.

والتحليل العلمي للنصوص يعتمد على مهارة الباحث وقدرته العلمية، وهذه الخطوة تتفاوت فيها قدرة الباحثين، وتختلف عندهم الأفهام؛ حين ينكشف لكل واحد مدلولات النص ومضامينه واحتمالاته، وتفريعاته ما لا ينكشف لغيره، والتحليل العلمي لأدلة البحث الفقهي، يعني تمييز الأدلة بمدلولاتها وتأويلاتها بإثبات القوى، وطرح الضعيف وبيان المعاني التي تحتملها، والصور

التي تندرج تحتها أو تشذ عنها، ونقد ما يحتاج إلى النقد والتضعيف.

ثم يأتي الاستنباط، وهو يمثل الغاية المقصودة من العملية البحثية التي يتوصل فيها إلى أحكام جزئية، أو قواعد كلية والمنهج العلمي في الدراسات الشرعية وبخاصة في الفقه والتشريع يتبع لاستنباط الأحكام من المادة العلمية نصاً وروحاً ومقصداً (1)؛ لأن ما ينتهي إليه الفقيه يمثل إرادة المشرع من التشريع، وهكذا يتضح أن للتشريع مقاصد وسائل وسائلها الأحكام راجعة إلى المكلف بالإجراء، أو أن الأحكام غائية أي تستهدف غايات معينة قصدها الشارع، ومن هنا وجب أن يكون المنهج متفقاً مع طبيعة هذا كله، فالمنهج غائي، ويقوم على خطة علمية وقواعد تسدد خطى

المجتهد في البحث في إرادة الشارع من النص.

التونسي.

وتكشف دراسات المتخصصين في الفقه عن ملامح مهمة تميز منهج ابن الرامي في كتابه الإعلان، ويمكن إيجازها في أمور منها كثرة المصادر التي اعتمد عليها وتنوعها ـ كما سبقت الإشارة - وتلخيص المسائل وحسن عرضها، والربط بين الأحكام بالقواعد والوقائع، ويتضح ذلك فيما ذكر من نوازل وفتاوى حدثت في عصره، شارك فيها أو سمع عنها، وفي ضربه لأمثلة من الواقع الذي مارسه، ومن خلال معرفته كبناء من أهل البصر، وفي ربطه في ذلك ما يتفق عليه العرف كما يتميز ابن الرامي بقدرته على الاستنباط والمناقشة والاختيار والترجيح. وكشفت دراسة كتاب الإعلان من جانب المتخصصين في الفقه عن أن منهج ابن الرامي اتضح في ترتيب كتابه في جملة مباحث، وتجزئته له إلى مجموعات، وتصدير مباحثه في معظم مسائله بقوله: «قال المعلم محمد، أو قال المعلم محمد بن إبراهيم اللخمي ابن الرامي البناء»، وفي هذا ما يشير ضمناً إلى جهده، كما يلاحظ أنه بدأ بعض الموضوعات بذكر الأدلة المتعلقة بها، والقواعد الفقهية التي يبنى عليها أحكام، وبهذا يطرح المقدمات التي تؤدي إلى النتائج طرحاً دقيقاً، كذلك يلاحظ أنه أصل للمسائل بالقرآن الكريم والسُّنَّة النبوية مصدري التشريع، كما كانت له دراية

(1) العلوي: المنهجان الأصولي والمقاصدي، ص 360 - 361.