النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬١٤٤1144
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
وإدراكه من خلال مصادر التشريع، بالإضافة إلى معاينته للبنيان معاينة الخبير، وقد أثبتت الدراسات الفقهية قدرته الكبيرة وإلمامه الواسع الذي مكنه من تحقيق المعيار.
كذلك فإن فهم مقاصد الشريعة من المعايير الأساسية اللازمة لضبط الأحكام وتفعيلها، وتتحقق مقاصد الشريعة بعدم مخالفة الحكم لنصوص الكتاب والسُّنَّة، وأن تتفق وتحقيق المقاصد الكلية والمقاصد الخاصة التي يمثل البنيان نموذجاً لها. وكل ذلك يتطلب رعاية المصالح المتغيرة، والمستجدة، وضرورات العصر واحتياجاته. ويتجسد هذا المعيار بوضوح في عرض كل حكم من أحكام البناء المتضمنة في كتاب الإعلان.
ومن المعايير المهمة لإصدار أحكام البنيان ما يتصل بالموضوعية أو الواقع الذي يحيط بالمشكلة التي تتطلب حكماً يمنع ضررها، ويسعى لتحويل هذا الضرر إلى منفعة قدر الإمكان، وفهم واقع المشكلة يتصل بمعرفة كل ما يتعلق بإطارها المكاني والزمني وما يتصل بها من أفراد المجتمع، والظروف المصاحبة لوجودها. وهذا الفهم يساعد في النهاية مع الأساس الفقهي التشريعي على إصدار الحكم المناسب، ويبدو هذا المنهج جلياً في كتاب الإعلان لابن الرامي الذي نجد عمله الأساسي كبناء ممارس، وكعريف يراقب النسيج العمراني بالمنشآت المعمارية بالسوق في إطار تخصصه كمعلم متخصص في البنيان.
وهذه المعايير التي تضبط إصدار أحكام البنيان من القضاة، وبمعاونة المعلمين العارفين بالبنيان باعتبار تخصصهم وخبرتهم وكونهم أهل البصر في هذا المجال، تجسد الالتزام بها في الأحكام التي عرضها ابن الرامي في كتابه، وبخاصة تلك التي تمثل تطبيقاً عملياً كانت له المشاركة في إصدارها ومتابعة تنفيذها على أرض الواقع. كما كان إصداره لهذا الكتاب الذي يوثق هذه الأحكام بصياغته ومنهجه الدليل الأوضح على الالتزام بهذه المعايير.
الأهمية الأثرية والمعمارية لكتاب الإعلان
وإذا كان المتخصصون في الدراسات الفقهية قد حددوا ملامح منهج ابن الرامي في كتابة كتابه (الإعلان)، ومفهوم تنزيل الأحكام ومعايير ضبط ذلك، فإن للمتخصصين في مجال تاريخ العمارة رؤيتهم المتعلقة بما ورد من أحكام فقهية خاصة بالمباني وعناصرها المختلفة، وهذه الأحكام التي تصوغ في النهاية النسيج العمراني للمدن والمستقرات السكنية الإسلامية، والتي تعكس الآثار الباقية منها مدى الالتزام بهذه الأحكام إيجاباً أو سلباً. وهو ما يكشف عن أهمية فقه العمارة الإسلامية كمؤثر مهم في تشكيلها، يضاف إلى مؤثرات البيئة والعادات والتقاليد والعرف في هذه المنطقة أو تلك في العالم الإسلامي وبروز تأثير الفقه في هذه العمارة أدركه الباحثون من المستشرقين في العمارة الإسلامية في النصف الأول من القرن الماضي، وتطور البحث ليؤكد