النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬١٤٦

1146

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

بناء الجدران الفاصلة بينهم، وفي السماح للجار بوضع خشب سقف وحدات داره أو بعضها على جدار الجار، وكان في هذا التوجيه ما يحقق اقتصاداً في تكلفة البناء، ويزيد عُرى التكافل وثوقاً بين الجيران، وهو أمر صادف ظروفاً استثنائية في المدينة المنورة، التي زاد عدد سكانها بسبب هجرة المسلمين إليها؛ مما أوجب إنشاء الدور لهؤلاء المهاجرين في الأرض البوار، التي لا تصلح للزراعة، كما أنه ناسب بعد ذلك النمط المعماري المتضام لإنشاء الدور في مستقرات سكنية محصنة ذات مساحات محدودة بسبب هذا التحصين بالأسوار الذي يحتاج حال التوسعة تكاليف كبيرة مالية وبشرية.

ظهرت صور

ونشأت ثقافة بناء الجدار المشترك التي ضبطتها الأحكام الفقهية التي تحل أية مشكلات قد تحدث بين أفراد المجتمع نتيجة هذا الاشتراك، ومع تطور الحياة وازدهار العمران وازدحام المدن، أخرى لعمارة الدور واستخداماتها وملكيتها وتأجيرها وترميمها وتعديلها معمارياً لسبب أو لآخر. وواكبت أحكام الجدار كل هذه المظاهر العمرانية والمعمارية، ودونت هذه الحلول في مصادر فقه العمران، سواء من جانب الفقهاء أو من جانب البنائين كابن الرامي، وانعكست الخلفية المعرفية لكل مؤلف في كتاباته.

وعندما عرض ابن الرامي لصور الجدار بدأت بالحديث عن الجدار بين داري الرجلين، ويسميه «الجدار الأول»، وفصل في هذا الحديث كل المشكلات التي ترتبط بالجدار المشترك سواء من ناحية ادعاء الملكية، أو الرغبة في هدم الجدار وإعادة بنائه وعرضه باعتباره ذا خبرة في البناء العلاقات التي يمكن الاستناد إليها في الفصل في ملكية، الجدار، وهي القمط والباب يكون في الجدار، وغرز الخشب والكوة، والبناء أعلى الحائط ووجه البناء). وهذه العلامات يدركها بوضوح البناء باعتباره خبرته في مجال البناء، وهي الخبرة التي مكنته من تحديد صور بناء الجدار الذي تثار حوله المشكلة، فذكر صورة الجدار الذي ليس فيه مرافق، والتي لا يكون فيه علامات يستند إليها سوى «العقد»، وعرض لآراء الفقهاء في صور العقد، ووضّحها في إطار خبرته بالبناء، وهو عرض يكشف سعة اطلاعه على المصادر الفقهية التي تحدثت عن الجدار أو الحيطان، والتي زاد وضوحها وتفسيرها سهولة عرضه وترجيح رأي على آخر في ضوء خبرته كبَنَّاء.

ثم عرض للصورة الثانية للجدار التي يكون فيها بين رجلين وليس فيه عقد، وهو الأمر الذي يلجئ الخبير إلى الاعتماد على علامات أخرى في تحديد ملكية الجدار كالكوى، والباب يكون فيه، وحمل الخشب والبناء أعلى الحائط، ووجه الحائط (2). وبنفس المنهج والرؤية يعرض تفصيلًا لهذه

(1) ابن الرامي: الإعلان، ص 7 - 8.

(2) المصدر السابق، ص 29.