النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬١٥٦1156
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
النسقية أو التركيب يعكس القدرة على البناء الوظيفي لتلك المكونات بحيث تؤدي وظائفها تكاملياً وفق النسق الجديد الذي أريد بناؤه.
مناطة
ومن هنا أيضاً يكون المنظر الماهر هو ذاك الذي يستطيع وضع كل مكون موضعه محققاً وشرط مناسبته مرتباً أولوياته ومميزاً بين أصوله وفروعه والضار منه والنافع وما إلى ذلك. وهو عمل
أشبه ما يكون بمعمار هندسي متماسك، مكوناته عديدة ومختلفة، لكنها متكاملة يعضد بعضها بعضاً. الإقناع ذلك أن هذا العمل البنائي تكون الحاجة داعية إليه أولاً، ومبرراً من مبررات الاشتغال عليه ـ إذ يفترض بعد الانتهاء منه أن يكون مقنعاً خادماً للغرض الذي انتدب له. فذاك الذي يؤهله لأن يكون نظرية أو أطروحة جديدة والإقناع هنا كما يكون بالمحددين السابقين، استيعاباً وتركيباً، يكون كذلك بقوة الحجج والبراهين نقلية أو عقلية أو علمية أو تاريخية أو غيرها. فهي شواهده وأدلته التي تجعل الناظر فيه مقتنعاً بجدواه، وملتزماً بفحواه، ومنتفعاً بأوجه النفع المختلفة فيه. ويكفي في أهمية هذا المحدد أن غير المقتنع بهذا البناء يعرض عنه جملة أو تفصيلاً، ويبطل
كل أو معظم أوجه النفع والانتفاع به.
(2) منهج أبي يوسف التنظيري في الكتاب
نعتقد بأن كتاب الخراج لأبي يوسف يحقق قدراً لا بأس به من العمل التنظيري المتحقق بتلك المحددات المنهجية. فهو من جهة مستوعب لعلوم مختلفة. وهو من جهة ثانية: شديد العناية بتنظيمها وفق نسق بنائي بحسب الحاجة والضرورة، وهو من جهة ثالثة قوي الحجة، والدليل عرضاً وبسطاً لشواهده من أجل إقناع مخاطبيه.
إذا أضفنا إلى هذا أن الكتاب من عالم من طينة أبي يوسف رحمه الله إلى حاكم من طينة هارون الرشيد أيقنا أنّ ثمة إضافات وإبداعات تعطي أبعاداً أخرى لهذا العمل العلمي النفيس، هي ما سنعمل على بيانه ضمن موضوعات الكتاب إن شاء الله تعالى.
وليس غرضنا من الكتاب عرض وبسط آرائه وأحكامه الفقهية، وإنما الكشف عن منهجية بنائها والأسس والقضايا العامة المؤطرة لها، ونسقها المنتظم لها تركيباً وتوليفاً بين عناصرها المختلفة. مِمَّا يبين بوضوح أكبر جوانباً من معالم التنظير الفقهي المبكر، والاجتهاد المبذول في هذا الاتجاه لدى طائفة من علماء وفقهاء الأمة.
إن من منهج أبي يوسف كذلك في الكتاب أن يعرض الأقوال والآراء إذا تعددت بأمانة، ثم يختار من بينها مرجحاً مدللاً على اختياره. ثم يترك للإمام حرية الأخذ بأي الآراء شاء ما دام في الأمر سعة، ولا يلزمه باختياره.