النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬١٥٨

1158

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

أ - التنظير لعلاقة العالم بالحاكم والحاكم بالعالم وقضايا الأمة

يشكل كتاب الخراج للقاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم واحداً من الكتب التي تجسد علاقة العالم بالحاكم، والحاكم بالعالم تجسيداً نموذجياً. حيث ينبغي أن تتضافر الجهود من أجل النهوض بقضايا الأمة وفق مقتضى الشرع بما يحقق مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، ولا يخفى أن العالم والحاكم هما أولي الأمر الذين أمر الله تعالى بالرد إليهم، والرجوع إليهم بعد كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله. ولسنا نرى موجباً ولا داعياً للفصل بينهما أو إفراد أحدهما بذلك. إذ الحاجة داعية إلى الجمع وليس الفصل. فالإمام الحاكم يجسد وحدة الأمة السياسية وقوة سلطتها وشوكتها، وتماسك نظامها وبنائها، ويدبر مصالح المختلفة مِمَّا هو مقرر في كتب الفقه والسياسة الشرعية والعالم سند الحاكم في تقويم وتسديد الأعمال حتى تكون على ميزان الشرع، وتحقق غاياتها ومقاصدها من العدل والإنصاف والرعاية للحقوق والواجبات وصون الكرامة والحريات بما يجلب النفع، ويدفع الضرر، ويسعد الإنسان في دنياه وأخراه.

وسواء اجتمعت السلطتان (الحكم والعلم) في يد واحدة أو تفرقتا. فإن ثمة أسساً وأصولاً شرعية لتدبير شؤون العباد. تبقى دائماً موجهاً ومرشداً لكمال التعاون والتعاضد، كأصل الشوري وأصل النصيحة وأصل العدل وأصل المسؤولية وأصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من الأصول المندرجة في هذا الباب.

إن كتاب الخراج وإن كان كتاب فقه يصح فيه أن يكون نتاجاً في السياسة الشرعية، وفي الدعوة وفي التربية وفي الترغيب والترهيب وفي الأدب. وفي أبواب أخرى كثيرة تعكس النظرة الإسلامية الشمولية المستوعبة لأبي يوسف وهو يكتب لهارون الرشيد.

1 - تقدير الحاكم للعالم والعالم للحاكم والدعاء والنصح له:

أما تقدير الحاكم للعالم فيتجلّى في طلب الخليفة هارون الرشيد إلى أبي يوسف أن يكتب له، وأن يوضح ويبين له في القضايا التي أشكلت عليه وأراد أن يستبين فيها وجه الاسم بوضوح. وتلك سنة خلت في سلف الأمة منذ عصر الصحابة - رضوان الله عليهم - وإن عزّت فيمن بعدهم. وأما تقدير العالم للحاكم، فيتجلى في مبادرته بالجواب والنصح والدعاء له وبسط حكم الشرع، وبيان أوجه الاختلاف أو الاجتهاد، ومؤازرته في كل قضايا البر والعدل

تجاه رعيته.

نلمس هذا واضحاً في قول أبي يوسف: «إن أمير المؤمنين - أيده الله تعالى - سألني أن أضع له كتاباً جامعاً يعمل به في جباية الخراج والعشور والصدقات والموالي وغير ذلك مِمَّا يجب عليه