النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬١٦٠1160
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
يقول أبو يوسف بهذا الصدد: حدثني إسماعيل بن أبي خالد عن قيس قال: قام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]، وإنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهُم الله بعقابه» (14).
قال: وحدثني: «يحيى بن سعيد عن إبراهيم عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عمر بن عبد العزيز قال: إن الله لا يؤاخذ العامة بعمل الخاصة، فإذا ظهرت المعاصي فلم تنكر استحقوا العقوبة جميعاً» (14). وذكر أبو يوسف من ذلك أيضاً: «حدثني أبو بكر الله عبد الهذلي عن الحسن البصري: أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب: اتق الله يا عمر، (وأكثر عليه). فقال له قائل: اسكت فقد أكثرت على أمير المؤمنين. فقال له عمر: دعه لا خير فيهم إن لم يقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبل» (16). وقال: «وحدثني عبد الله بن حميد بن أبي المليح بن أسامة الهذلي قال: خطب عمر بن الخطاب، فقال: أيها الناس، إن لنا عليكم حق النصيحة بالغيب والمعونة على الخير … » (16).
ب - الاجتهاد الفقهي والتنظير والشورى والتقدير المصلحي على عهد الصحابة - رضوان الله عليهم -:
1) اجتهاد عمر في سواد العراق، وموقف بعض الصحابة: إن النص الذي سننقله على طوله من رواية أبي يوسف نفسه غني بالدلالات والعبر المتعلقة بالاجتهاد الذي يعكس دينامية، وحركية العقل المسلم والفقه الإسلامي في مواكبته للمستجدات والنوازل، بل وفي استشرافه لمستقبل الأمة والأجيال المتعاقبة فيها يحفظ مصادر قوتها ووجودها كي لا تفتقر فتكون عالة على غيرها ومستهدفة من أعدائها. وهذا تقدير مصلحي عظيم. شيء رائع فعلاً أن يكون في وقت مبكر على عهد الصحابة، وعلى يد عمر بن الخطاب تحديداً مِمَّا يعتبر تأسيساً منهجياً في كيفية تقدير الإمام للمصلحة العامة العاجلة أو الآجلة، مع استحضار شواهد
ذلك وأدلته النقلية والعقلية وغيرها.
شيء آخر أساسي ولا يقل أهميته عن التنظير للاجتهاد الفقهي والتقدير الأصلي، هو التنبيه الدائم والمستمر من أبي يوسف على أصل الشورى في مختلف القضايا والنوازل؛ لأنها عاصم الإمام من الزلل ومانعته من الظلم وتجاوز الحدود، ومعنيته على إقناع مخالفيه واستمالة معارضيه ومقوّية لحججه عليهم، وضامنة إجماع ووحدة الأمة على مصالحها المختلفة.