النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬١٦١

كتاب (الخراج) أصل

في

التنظير الفقهي المبكر

د. سعيد شبار

1161

ورواية أبي يوسف الشاهدة في الباب نموذج حي لفن إدارة الرأي والتشاور الذي درج عليه سيدنا عمر له في كل القضايا الكبرى التي عرضت له. ومنها هذه المتعلقة أرض العراق والشام وطلب بعض الصحابة أن تقسم على الفاتحين قياساً على الأراضي المفتوحة السابقة، لكن كان لعمر له رأي آخر حشد له من الأدلة النقلية والعقلية وأدار بخصوصه حواراً وتشاوراً انتهى إلى إقناع الجميع برجحان هذا الاختبار للمصالح العامة التي يجلبها للأمة وأجيالها القادمة، والمفاسد الجسيمة التي يدرأها عنها.

عسى

وإليكم الرواية بطولها وتمامها كما وردت، وما أجدر بقارئها أن يتمهل ويتدبر في قراءتها، قال أبو يوسف: «وحدثني غير واحد من علماء أهل المدينة قالوا لما قدم على عمر بن الخطاب الله في تدوين الدواوين، وقد كان اتبع رأي أبي بكر في التسوية بين الناس، فلما جاء فتح العراق شاور الناس في التفضيل، ورأى أنه الرأي، فأشار عليه بذلك من رآه. وشاورهم في قسمة الأرضين التي أفاء الله على المسلمين، فيجدون الأرض بعلوجها قد اقتسمت وورثت عن الآباء وحيزت، ما هذا برأي. فقال له عبد الرحمن بن عوف له: فما الرأي؟ ما الأرض والعلوج إلا بما أفاء الله عليهم؟ فقال عمر: ما هو إلا كما تقول، ولست أرى ذلك، والله لا يفتح بعدي بلداً فيكون فيه كبير نيل، بل أن يكون كلَّا على المسلمين. فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها، وأرض الشام بعلوجها فما يسد به الثغور، وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره من أرض الشام والعراق؟ فأكثروا على عمر ه وقالوا: أتقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا ولأبناء القوم ولأبناء أبنائهم ولم يحضروا؟ فكان عمر الله لا يزيد على أن يقول: هذا رأي. قالوا: فاستشر. قال: فاستشار المهاجرين الأولين، فاختلفوا. فأما عبد الرحمن بن عوف الله فكان رأيه أن تقسم لهم حقوقهم، ورأي عثمان وعلي وطلحة وابن عمر ما رأي عمر. فأرسل إلى عشرة من الأنصار: خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج من كبرائهم وأشرافهم. فلما اجتمعوا حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: إني لم أزعجكم إلا لأن تشتركوا في أمانتي في ما حملت على أموركم، فإني واحد كأحدكم وأنتم اليوم تقرون بالحق، خالفني من خالفني ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي معكم من الله كتاب ينطق بالحق، فوالله لئن كنت نطقت بأمر أريده ما أريد به إلا بالحق. قالوا: قل نسمع يا أمير المؤمنين. قال: قد سمعتم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم. وإني أعوذ بالله أن أركب ظلماً، لئن كنت ظلمتهم شيئاً هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت، ولكن رأيت أنه لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى، وقد غنمنا الله أموالهم وأرضهم وعلوجهم فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه وأنا في توجيهه، وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها وأضع عليهم في الخراج، وفي رقابهم الجزية يؤدونها، فتكون فيئاً للمسلمين: المقاتلة والذرية ولمن يأتي من بعدهم. أرأيتم هذه الثغور لا بد لها من رجال