النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬١٦٤

1164

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

زاده. ولما رأى المال قد كثر قال: لئن عشت إلى هذه الليلة حتى قابل لألحقن أخرى الناس بأولهم حتى يكونوا في العطاء سواء … فتوفي رحم الله قبل ذلك» (59).

إن كل ما تقدم ليعكس عقلية اجتهادية وتقديرية فذة لعمر الله كانت محل تقدير من أبي يوسف، ولا شك في أن التركيز على مواطن الاجتهاد واستئناف النظر في ما يبيحه ويتيحه الشرع نفسه عمل أساسي في البناء التنظيري في هذا السياق، بما يدفع آفتين من الآفات التي طرأت على فكر وفقه الأمة: آفة الجمود والتقليد، وتعطيل قدرات العقل الإبداعية لاستئناف البناء وفق أصوله وقواعده، ونموذج عمر مع أبي بكر له، وكذلك نموذج أبي يوسف نفسه مع شيخه أبي حنيفة شواهد وأدلة في هذا السياق. ثم دفع الآفة الأخرى التي تحاول ركوب حركة الاجتهاد والتجديد التي يسمح بها الشرع ويدعو إليها لتنتهي إلى نقيض مراده وخلاف أصوله وكلياته. وكل اجتهادات عمر الله التي يحتج بها هؤلاء جارية على أصول الشرع، ومراعية لمقاصده ومستنده إلى الأمر الذي تفتقر إليه دعاوى التقليد الجامد والتجديد الجاحد.

أدلته،

وأبو يوسف وهو يستعرض آراء واجتهادات الخلفاء والأئمة بقدر ما يستفيد منها ويكشف عن أصولها وغاياتها، بقدر ما يحرص على لزوم السنة وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، يقول مثلاً: وأما أرض الحجاز ومكة والمدينة وأرض اليمن وأرض العرب التي افتتحها الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يزاد عليها، ولا ينقص منها؛ لأنه شيء قد جرى عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكمه. فلا يحل لإمام أن يحوله إلى غير ذلك؛ وقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح فتوحاً من الأرض العربية فوضع عليها العشر ولم يجعل على شيء منها خراجاً. وكذلك قول أصحابنا في تلك الأرضين» (71).

ثم يجتهد في بيان رأيه الفقهي ودور الإمام في تقدير المصلحة مع ترك الأمر موسعاً عليه في الاختيار كما ألمحنا إلى ذلك سلفاً.

ففي ذكر القطائع مثلاً (وهي الأرض التي يقطعها الإمام لمن يعمرها) يقول: «وكل أرض من أرض العراق والحجاز واليمن والطائف وأرض العرب وهي غير عامرة وليست لأحد ولا في يد أحد، ولا ملك أحد ولا وراثة، ولا عليها أثر عمارة، فاقطعها الإمام رجلاً فعمرها، فإن كانت في أرض الخراج أدى عنها الذي أقطعها الخراج، والخراج ما افتتح عنوة مثل السواد وغيره. وإن كانت من أرض العشر أدى عنها الذي أقطعها العشر وأرض العشر كل أرض أسلم عليها أهلها فهي أرض عشر. وأرض الحجاز والمدينة ومكة واليمن وأرض العرب كلها عشر فكل أرض أقطعها الإمام مِمَّا فتحت عنوة ففيها الخراج إلا أن يصيرها الإمام عشرية، وذلك إلى الإمام إذا اقطع أحداً أرضاً من أرض الخراج، فإن أراد أن يصير عليها عشراً أو عشراً ونصفاً أو عشرين أو أكثر خراجاً، فما رأى أن يحمل عليه أهلها فعله (قال) وأرجو أن يكون ذلك موسعاً عليه، فكيفما شاء من ذلك فعل إلا