النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬١٦٥كتاب (الخراج) أصل
في
التنظير الفقهي المبكر
د. سعيد شبار
1165
ما كان من أرض الحجاز والمدينة ومكة واليمن فإن هنالك لا يقع خراج، ولا يسع الإمام ولا يحل له أن يغير ذلك ولا يحوله عما جرى أمر رسول الله وحكمه. فقد بينت لك (يقول الخليفة) فخذ بأي القولين أحببت، واعمل بما تراه أنه أصلح للمسلمين وأنفع لخاصتهم وعائلتهم وأسلم لك في دينك إن شاء الله» (73).
وقال موضحاً اختياره والأرض عندي بمنزلة المال، فللإمام أن يجيز من بيت المال من كان له غناء في الإسلام، ومن يقوى على العدو، ويعمل في ذلك بالذي يرى أنه خير للمسلمين وأصلح لأمرهم. وكذلك الأرضون يقطع الإمام منها من أجر من الأصناف التي سميت، ولا أرى أن يترك أرضاً لا ملك لأحد فيها ولا عمارة حتى يقطعها الإمام، فإن ذلك أعمر للبلاد وأكثر للخراج، فهذا حد الإقطاع عندي على ما أخبرتك» (74).
ويسند أبو يوسف اختياره هذا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده قائلاً: «وقد أقطع الله صلى الله عليه وسلم وتألف على الإسلام أقواماً، وأقطع الخلفاء من بعده من رأوا في إقطاعه
رسول
صلاحاً» (74).
وأقطع
وذكر نماذج كثيرة لذلك: كإقطاع النبي صلى الله عليه وسلم لأناس من مزينة والزبير وأبي بكر وعمر. عثمان لعبد الله بن مسعود لله وكان لكثير من الصحابة أراضي خراج (74 - 75). وتستوقفنا ههنا محطة منهجية مهمة في مناقشة أبي يوسف لأستاذه أبا حنيفة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم والاستنباط منه حديث: من أحيا أرضا مواتا فهي له». قال: «كان أبو حنيفة يقول: «من أحيا أرضاً مواتاً فهي له إذا أجازه الإمام. ومن أحيا أرضاً مواتاً بغير إذن الإمام فليست له، وللإمام أن يخرجها من يده ويضع فيها ما رأى من الإجارة والإقطاع وغير ذلك» (77). وقد اعترض البعض على قول أبي حنيفة بالحديث المذكور في كونه عاماً من غير قيد أو شرط. قال أبو يوسف موضحاً رأي أستاذه حجته في ذلك أن يقول: الإحياء لا يكون إلا بإذن الإمام، أرأيت رجلين أراد كل واحد منهما أن يختار موضعاً واحداً، وككل واحد منهما منع صاحبه أيهما أحق به»؟ ( … ) ولم يكن بين الناس التشاح في الموضع الواحد ولا الضرر فيه مع إذن الإمام ومنعه. وليس ما قال أبو حنيفة يرد الأثر، إنما رد الأثر أن يقول: وان أحياها بإذن الإمام فليست له. فأما من يقول: هي له؛ فهذا اتباع الأثر ولكن بإذن الإمام ليكون إذنه فصلاً في ما بينهم من خصوماتهم وإضرار بعضهم ببعض» (77 - 78).
وبعد
أن بين قول أستاذه ودافع عنه نجده يختار رأياً آخر، وإن لم يكن بعيداً حيث يقول: «أما أنا فأرى إن لم يكن فيه ضرر على أحد ولا لأحد فيه خصومة، أنّ إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم جائز إلى يوم القيامة. فإذا جاء الضرر فهو على الحديث: «وليس لعرق ظالم حق»، حيث أخرج تتمة الحديث