النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬١٦٧

كتاب (الخراج) أصل

في

التنظير الفقهي المبكر

د. سعيد شبار

1167

فقيهاً عالماً مشاوراً لأهل الرأى عفيفاً لا يطلع الله منه على عورة، ولا يخاف في الله لومة لائم،

الله

ما حفظه من حق وأدى من أمانة احتسب به الجنة، وما عمل به من غير ذلك خاف عقوبة في ما بعد الموت. تجوز شهادته إن شهد ولا يخاف منه جور في حكم إن حكم. فإنك إنما توليه جباية الأموال وأخذها من حلها وتجنب ما حرم منها، يرفع من ذلك ما شاء ويحتجب منه ما يشاء، فإذا لم يكن عدلاً ثقة أميناً فلا يؤتمن على الأموال» (128 - 129).

وما قاله في أصحاب الخراج قاله قبل في العاملين على الصدقات، جمع مع ضبط وتمييز عمل هؤلاء عن عمل غيرهم. يقول: «ومر - يا أمير المؤمنين - باختيار رجل أمين ثقة عفيف ناصح مأمون عليك وعلى رعيتك فوله جميع الصدقات في البلدان. ومره فليوجه فيها أقواماً يرتضيهم ويسأل عن مذاهبهم وطرائقهم وأماناتهم يجمعون إليه صدقات البلدان ( … ) ولا تولها عمال الخراج، فإن مال الصدقة لا ينبغي أن يدخل في مال الخراج ( … ) لا ينبغي أن يجمع مال الخراج إلى مال الصدقات والعشور؛ لأنَّ الخراج فيء لجميع المسلمين (158 - (159) و (91 - 92). والصدقات لمن سمى الله وعمل في كتابه» (97 - 98).

وأيضاً: لا يكتفي أبو يوسف بهذا النصح والتوجيه في اختيار أهل الصلاح من العمال وجامعي الأموال، بل يزيد بأن يطلب من الخليفة أن يجعل عليهم لجان مراقبة وتتبع «ممن يوثق بدينه وأمانته يسألون عن سيرة العمال وما عملوا به في البلاد وكيف جبوا الخراج» (134) تجنباً لكل أشكال الظلم والجور والعسف. فإذا صح عندك (مخاطباً الخليفة من العامل والوالي بظلم وعسف وخيانة أو ته فحرام عليك استعماله والاستعانة به، وأن تقلّده شيئاً من أمور رعيتك، أو تشركه في شيء من أمرك (134).

سوء سيره

ويزيد على ذلك أيضاً بأن يعقد الخليفة مجالس استماع، أو إنصات لمظالم الرعية تكون قدوة عامة في إنصاف الرعية وردع الاجتراء على الظلم. يقول في ذلك: «فلو تقربت إلى الله ل يا أمير المؤمنين بالجلوس لمظالم رعيتك في الشهر أو الشهرين مجلساً واحداً تستمع فيه من المظلوم وتنكر على الظالم، رجوت ألا تكون ممن احتجب عن حوائج رعيته، ولعلك لا تجلس إلا مجلساً واحداً أو مجلسين حتى يسير ذلك في الأمصار والمدن، فيخاف الظالم بوقوفك على ظلمه فلا يجترئ على الظلم، ويأمل الضعيف المقهور جلوسك ونظرك في أمره، فيقوى قلبه ويكثر دعاؤه» (135). واحتج أبو يوسف لذلك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة: من نفس عن مؤمن كربة نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» (135). وكذلك بصنيع عمر مع عماله وولاته وشدة تحرّيه في سلامة دينهم وصدق وصلاح سريرتهم وعلانيتهم، ودقة محاسبتهم ومتابعتهم، بل ومعاقبتهم إذا انتهى إليه شيء من سوء تصرفاتهم (137 - 140).