النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬١٦٩كتاب (الخراج) أصل
في
التنظير الفقهي المبكر
د. سعيد شبار
1169
ومعلوم أيضاً أن الإسلام دين هداية وليس دين جباية كما ورد عن العمرين وغيرهما ـ وأنه يتجنب القتال ما أمكنه حتى يبدأ فيه، فإن قوتل {وَقَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا)
[البقرة: 190].
ولهذا نجد أبا يوسف هنا يتحدّث عن المرتدين الذين حاربوا ومنعوا الدار؛ مستدلاً بصنيع أبي بكر وغيره من الخلفاء والأحكام المرافقة لذلك. أما إذا أسلموا قبل القتال وقبل أن يظهر عليهم، وقال: «لم يقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً قط - في ما بلغنا ـ حتى يدعوهم إلى الله ابن عباس له «ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً حتى يدعوهم» (229).
ورسوله». وذكر عن
حقنوا دماءهم وأموالهم وامتنعوا من السباء (82). وذكر خلاف الفقهاء؛ إذ منهم من رأى استتابة المرتد، ومنهم من لم ير ذلك، وهذا كله تحصين وحماية دولتي الإسلام من الغدر والخيانة، وإفشاء أسرارها لدى العدو بعد اللحوق به (315)، وشبه لهذا بقوة قول أبي يوسف «إذا ارتد الرجل والمرأة ولحقا بدار الحرب فرفع ذلك إلى الإمام؛ فإنه ينبغي أن يقسم ما خلفاه بين ورثتهما، وإن كان لهما ديون عتقوا ( … ). فإن كان الرجل اعتنق أو أوصى أو وجد قبل أن يلحق بدار الحرب جاز ذلك؛ لأنَّه إذا لحق بدار الحرب فقد خرج من ماله وصار ميراثاً لورثته. والشاهد عندنا اللحوق بدار الحرب (317) حيث تجري أحكامها على المرتد المفارق لدينه
ولجماعة المسلمين.
وان كانت هناك بعض الروايات التي أوردها أبو يوسف تحتاج إلى مزيد من النقاش، وإن كنا نرى حملها على غيرها مِمَّا تقدم.
أما معاملة أهل الذمة والكتاب فأورد في بعضهم أحكاماً يجتهد الإمام في تقديرها مراعاة للمصلحة. كما هو شأن نصارى بني تغلب الذين ضوعفت عليهم الصدقة في أموالهم، وأسقطت الجزية عن رؤوسهم؛ وذلك لما قيل لعمر بن الخطاب بأن لهم شوكة (144) إنهم بإزاء العدو، فإن ظاهروا عليه اشتدت مؤنتهم فكان ذلك مِمَّا أعطاهم صلحاً على أن لا يغمسوا أحداً من أولادهم في النصرانية (144). وفي رواية أخرى ذكر أبو يوسف: «إنهم قوم من العرب وليسوا من أهل الكتاب ولعلهم يسلمون».
وفيمن تجب عليه الجزية؟ ذكر أبو يوسف أنها تجب على جميع أهل الذمة ممن في أسوار غيرهم من أهل الحيرة وسائر البلدان من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والسامرة وما خلافها، وبني تغلب وأهل نجران خاصة. وإنما تجب الجزية على الرجال منهم دون النساء والصبيان ( … ) ولا تؤخذ الجزية من المسكين الذي يتصدق عليه، ولا من أعمى لا حرفة له ولا عمل، ولا من ذمي يتصدق عليه ولا من مقعد والمقعد والمزمن إذا كان لهما يسار أخذ منهما،