النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬١٧٠1170
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
وكذلك الأعمى، وكذلك المترهبون الذين في الديارات إذا كان لهم يسار أخذ منهم، وإن كانوا إنما هم مساكين يتصدق عليهم أهل اليسار منهم لم يؤخذ منهم، وكذلك أهل الصوامع إن كان لهم غنى ويسار … (146) - 147). ولا تؤخذ الجزية من الشيخ الكبير الذي لا يستطيع العمل ولا شيء له. وكذلك المغلوب على عقله لا يؤخذ منه شيء. وليس في مواشي أهل الذمة من الإبل والبقرة والغنم زكاة والرجال والنساء في ذلك سواء» (148).
هذه مقتطفات من أحكام أهل الذمة في الإسلام كما يقررها أبو يوسف، وواضح فيها تضامن المجتمع الإسلامي مع أهل ذمته في ما يتعلّق بصون كرامتهم وحقوقهم وحرياتهم ومعتقداتهم ما داموا لا يخلون بأمن أو ينتهكون حرمات ومقدسات. ومعلوم كذلك أن لفظي الذمة والجزية اصطلاحات تتعلق بتطور المجتمع الإسلامي في علاقته بغيره من المجتمعات، والتي تخالف الدين والعقيدة لما كان الإسلام آخذاً في الانتشار والتوسع في مراحله الأولى. وإن كان ممكن تعويض هذه الاصطلاحات حالياً بعد استقرار الإسلام وأهله باصطلاحات أخرى يسعها الفقه الإسلامي لمواطنة، وواجب الدولة في أموال رعاياها كما هو قابل للتطور والتغيير زماناً وحالاً ومكاناً. فإن ما لا يمكن تعويضه هو تلك القيم العالية والأخلاق النفيسة في المعاملة التي دشنها الإسلام في معاملة المخالف في العقيدة من أهل الذمة أو الكتاب، وإن كانوا أقلية داخلة. يقول أبو يوسف ناصحاً الخليفة في هذا السياق وقد ينبغي يا أمير المؤمنين - أيدك الله - أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة بينك وابن عمك محمد صلى الله عليه وسلم والتقدم لهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا، ولا يكلفوا فوق طاقتهم، ولا يؤخذ شيء من أموالهم إلا بحق يجب عليهم. فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه». وكان في ما تكلم به عمر بن الخطاب له عند وفاته: «أوصي الخليفة من بعدي بذمة رسول الله الله أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا فوق طاقتهم» (150). وكان عمر الله قد أسقط الجزية عن المسننين من أهل الكتاب. وقال في أحدهم وجده متسولاً: والله ما أنصفناه إن أكلنا شيبته ثم نخذله عند الهرم ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ [التوبة: 60] والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب» (152). وكانت ظروف وتحديات المرحلة تفرض تغيير الزي عنهم، وبعض أشكال الزينة تفادياً للاشتباه والالتباس.
ألا
تهدم
وقد كان الصلح جرى بين المسلمين وأهل الذمة في أداء الجزية، وفتحت المدن على بيعهم ولا كنائسهم داخل المدينة. ولا خارجها وعلى أن يحقنوا لهم دماءهم، وعلى أن يقاتلوا من نا وأهم من عدوهم ويذبّوا عنهم فأدوا الجزية إليهم على هذا الشرط، وجرى الصلح بينهم عليه» (165). وذكر عن أبي حنيفة جواز تعزية اليهودي أو النصراني بموت له الولد، وصيغ التعزية الواردة فيه (261).