النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬١٧١

كتاب (الخراج)

أصل في

التنظير الفقهي المبكر

د. سعيد شبار

1171

3 ـ في الجنايات وما يجب فيها من حدود:

تحدث أبو يوسف في هذا السياق عن أوجه أخرى من القيم والرعاية الإنسانية التي كفلها هذا الدين حتى لأصحاب الجنايات ممن وجبت عليهم حدود.

إذ الأصل في الشريعة أنها هداية ورحمة وعدل كلها، ومصلحة كلها؛ فذلك قصدها الأول. ولكلّ تربتها الخصبة التي أنبتت تضامنها وتكافلها ورحمتها بالعباد وإنما جاءت بعض الحدود بالتبع لا بالأصل غير مقصودة لذاتها، صوناً لذلك كله، ودفعاً لكل ضرر يمكن أن يلحق بالدين أو النفس أو الفعل أو العرض أو المال كما هو معروف في الكليات الخمس التي ينبغي أن تصان وجوداً وعدماً. هذا بالإضافة إلى أن تلك الحدود لها شروطاً وموانع غالباً ما تحول دون إيقاعها مِمَّا يعدم أي مبرر لخصوم الشريعة باختزالها في حدود وعقوبات، مع جهل تام أو تنكر لسائر الفضائل والمكارم والأصول التي أنبتت عليها.

ففي جواب أبي يوسف إلى الخليفة عن الإنفاق على أصحاب الجنايات في الحبس أنه ينفق عليهم من بيت المال على كل واحد منهم ما يقوته»، فإذا كان الأسير من أسرى المشركين لا بد أن يطعم ويحسن إليه حتى يحكم فيه، فكيف برجل مسلم قد أخطأ أو أذنب يترك يموت جوعاً؟». وذكر عن عمر بن عبد العزيز قوله: «لا تدعي في سجونكم أحداً من المسلمين في وثاق لا يستطيع أن قائماً يصلي ولا تبيته في قيد إلا رجلاً مطلوباً بدم - وأجروا عليهم من الصدقة ما يصلحهم في طعامهم وأدعلهم» (180).

ومما ذكره كذلك مِمَّا ينبغي مراعاته في الحدود قوله تعتبره جامعاً في هذا، وقد حشد له أدلة كثيرة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله، ومن فعل الصحابة كذلك وأقوالهم.

يقول: ولا يحل للإمام أن يحابي في الحد أحداً، ولا تزيله عنه شفاعة، ولا ينبغي له أن يخاف في ذلك لومة لائم إلا أن يكون حد فيه شبهة، فإذا كان في الحد شبهة درأه لما جاء في ذلك من الآثار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين وقولهم: ادرأوا الحدود بالشبهات ما استطعتم، والخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، ولا يحل إقامة حد على من لا يستوجبه بغير شبهة فيه، ولا يحلّ لمسلم أن يشفع إلى إمام في حد قد وجب وتبين، فأما قبل أن يرفع ذلك إلى الإمام فقد رخص فيه أكثر الفقهاء، ولم يختلفوا في التوقي للشفاعة فيه بعد رفعه إلى الإمام في ما علمنا، والله أعلم» (132). وذكر في ذلك فقه شفاعة أسامة في المرأة القرشية التي سرقت وغضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله:

والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد نزلت بمثل الذي نزلت به لقطع محمد يدها، يا أسامة لا تشفع في حد» (183).