النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬١٧٢

1172

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

وقول عمر

: «لأن أعطل الحدود في الشبهات خير من أقيمها في الشبهات» (183). وقد أبان أبو يوسف عن عارضة فقهية دقيقة ومستوعبة وهو يستعرض أقوال الفقهاء من الصحابة والتابعين في القتل الخطأ والعمد وشبه العمد الودية في ذلك (186 - 193)، وفي الإشهاد على الزنا وعقوبته وكيف يقبل الإمام الإقرار من الجاني حتى يقرّ عنده أربع مرات ويسأل عنه. كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع ماعز بن مالك والغامدية (194) - 196، وفي شارب الخمر والسارق والقاذف وغيرهم كل ذلك مع مراعاة ما يتعلّق بالذات وما يتعداها إلى غيرها مع ترجمات وتوضيحات شافية كافية تدل على غزارة الفقه الإسلامي، وإحاطة بجزئيات وتفاصيل الحياة الإنسانية، وتمييزه الدقيق بين مختلف الأفعال والتصرفات المعدودة في حكم الجنايات وغير المحدودة في حكمها والموجبة إقامة الحدّ وغير الموجبة له كما فعل في أحوال … المختلفة ومراتبها أنصبة وأمكنة ومحلاً وأموالاً … مِمَّا يستدعي حيطة كبيرة من الإمام في تعامله مع أصحاب هذه

الجنايات (200 - 212).

خلاصة

حاولنا في ما تقدم الإحاطة ما أمكن بمادة ومنهج أبي يوسف في كتابه الخراج، باعتباره حلقة قوية من حلقات التنظير والاجتهاد الفقهي التي تأسست في أمتنا منذ وقت مبكر. كما حاولنا إبراز الجهد التنظيري أكثر من المادة الفقهية ذاتها والتي هي مادة مشتركة بين معظم الفقهاء. ذلك الجهد الذي اتضحت معالمه بجلاء في مادته العلمية، فيكسوها نبل أن يعرضها كأحكام واختبارات بقيم وآداب النصيحة الواجبة في الدين وبمقاصد وغايات التشريع وبمنطلقاتها الإيمانية العقدية، وبدرجات النفع والمصالح التي توليها والضرر والمقاصد التي تدفعها.

أي: أن الكتاب كما نوهنا على ذلك في البداية لم يبق كتاب فقه وأحكام أو أجوبة مباشرة على أسئلة، بل تعدى ذلك إلى تقدم صور على نسبة عالية من التحقق بالمنهج الإسلامي الشامل، والمستوعب لكل قضايا الإنسان في عالم شهادته وفي عالم غيبه. وإن شئنا الدقة أكثر قلنا: إنه قبس من منهج التنظير القرآني نفسه في عرض للقيم والعقائد والأحكام والحقائق، وكلّ ما يتعلق بالخلق الإنساني والوجود الدنيوي والأخروي فالأحكام الجزئية المتعلقة بالأقوال والأفعال لها أطر

عقدية ونظرية تحدد مجال كيفية اشتغالها وشبكة علاقاتها وتكاملها بغيرها. والغايات والمقاصد المعتبرة من تشريعها، وكل ذلك ما لم يكن من خلال تنظيرها إقناعياً قائماً على الحجج والأدلة

المقنعة لم يكن التمثل لتلك الأحكام كما ينبغي، ولا الالتزام والعمل بها وفق المطلوب والمراد.