النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬١٧٦1176
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
إن تراثنا الفقهي غني وقادر على تلبية متطلبات جميع مراحل التطور البشري، كما كان قادراً من قبل. وإن هذا التراث الذي قدر على ابتكار علم الأصول، وعلم تخريج الحديث، ثم علم القواعد الفقهية، وقدر على ابتكار التقنيات والحلول للمسائل الافتراضية التي لم تقع بعد ـ في ذلك العصر المتقدم - لقادر الآن على ابتكار طرق جديدة في التعامل مع واقع البشر وأحداثهم المعاصرة، ومن دون تشويه لروح الوحي. وليس أدل على ذلك من النظريات الفقهية التي ظهرت في العصر الحديث، فما إن شعر الفقهاء بأن الأمة بدأت تتأثر بنظريات القوانين الوضعية لجاذبيتها - لأنها تنطلق من عصر الناس وواقعهم على ما فيها من نقص وخلل كبيرين - حتى هبوا يستمطرون التراث الفقهي ليجدوه سحاباً ركاماً لا تساوي النظريات القانونية الوضعية في جنبه إلا قطرة. فانطلقوا ينظرون باحثين ومستخرجين، ومستنبطين ومقارنين ومجربين، وبحر الفقه أمامهم متلاطم لا ينضب، ما استخرجوا نظرية إلا وقفزت نظريات جديدة تقول: ها أنا ذهِ، فهل من باحث ودارس؟ وكأنك أمام أمواج، لا تأتي موجة إلا ووراءها مزيد.
ونحن نستطيع القول بأن الفقه أثبت أنه قادر على افتراض حلول لمشكلات لم يفكر فيها الإنسان بعد فكيف بالواقع الموجود؛ لأن هذه السعة وهذه القدرة وهذه المرونة وهذه الاستشرافية للمستقبل هي إعجاز من الخالق - سبحانه - في شرعه الذي أتمه وأوجب على البشرية السير عليه، ويستحيل أن يكون الأمر بالوجوب واقع على موجب غير ممكن بل ممكن، وممكن للفقه أن يلبي الحاجات ويعالج الإشكالات مهما كانت، ومهما عظمت، وفي أي زمان ومكان، فهذا منهج الخالق العظيم، فكيف يمكن أن يقصر عن سعة مخلوقات الله؟!
وهذا البحث الذي بين أيدينا هو مقاربة متواضعة، هدفها المساهمة في إثبات ما لتراثنا الفقهي من سعة وقدرة على مواكبة جميع مراحل التطور البشري إلى قيام الساعة، من خلال أنظمة ونظريات محددة ودقيقة، فالبحث يدرس كتاباً مرموقاً من كتب التراث الفقهي، لفقيه قدير من فقهاء القرن الرابع الهجري، ويحاول البحث استنتاج ما إذا كان ذلك الفقيه - وهو في ذلك العصر المبكر - قد انطلق في تأليف كتابه وتفريعاته الفقهية من نظام فقهي عام محدد كان يؤمن به ويحمله في رأسه ـ وإن لم يصرح به - أم أنه - كما يقول الاتجاه الاستشراقي ومن تأثر به في شأن الفقه: إن الفقه الإسلامي عبارة عن جزئيات وفروع لا رابط بينها، وأن العقلية الإسلامية عقلية تجزيئية بسيطة تهتم بالتفاصيل ولا تهتم بالبناء العام الشامل، وأن النظريات الفقهية المعاصرة هي استنساخ للمنهج القانوني الوضعي، وبالتالي إمكانية القول إن الفقه الإسلامي غير صالح لهذا العصر، وإنه كان منزلاً لعصور سابقة فقط، وإنه كان نتاج قرون الانحطاط)، وقد انطلقت في سبيل تحقيق هدف البحث المشار إليه من ثلاثة فروض:
(1) انظر: هذه التهم الموجهة إلى الفقه في حلاق، تاريخ النظريات الفقهية، ص 7 - 8 وموقع التبصرة www.tabsera.com) مقال علمي للدكتور محمد الفقيه بعنوان: النظرية الفقهية.