النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬١٨٣كتاب (الجامع) لابن بركة والنظرية الفقهية
ناصر بن خلفان بن خميس البادي
1183
وفي هذا المبحث ـ وفي سبيل تحقيق فروض البحث الثلاثة المشار إليها في المقدمة - سنتناول الأجزاء الأربعة لنظرية الفقه بالدراسة الموجزة؛ لنتوصل إلى بناء تصور عام حول نظرية الفقه في كتاب الجامع لابن بركة، وعلاقة هذا الكتاب بالتنظير والنظرية الفقهية. وسنتناول من الأجزاء الأربعة المذكورة ثلاثة بالدراسة وهي أصول الفقه والقواعد الفقهية، والنظريات
الفقهية، أما الجزء الرابع - وهو الجزئيات الفقهية - فإنه سيكون مضمناً في الثلاث الأخر.
المطلب الأول: كتاب (الجامع) والتنظير في أصول الفقه
"
(2)
(3)
توجد إشارات إلى أن بدايات ظهور التنظير لأصول الفقه كانت في القرن الثاني الهجري، كبدايات تأسيسية بسيطة على يد الإمام الشافعي في كتابه الرسالة، غير أن بعض الباحثين المعاصرين أشاروا إلى أن التنظير لأصول الفقه قد أبصر النور لأول مرة في أواخر القرن الثالث الهجري وليس في عصر الشافعي كما يتصور، حيث إن رسالة الشافعي لم تقدم أسس وضروريات علم الأصول كما عرف في ما بعد). ولكن بعد ذلك - وبالتحديد في القرن الرابع الهجري - بدأت تتبلور النظرية الفقهية الأصولية، حيث بدأت تظهر العديد من الأعمال الكاملة لأصول الفقه للمرة الأولى في هذا القرن، وهي أعمال تناولت مع علم الأصول على أنه منهجية شاملة ومنظمة عضوياً. غير أن هذا لا يعني أن حقيقة أصول الفقه كانت غائبة عن أذهان الفقهاء الأوائل، بل كانت موجودة، إلا أنها لما يتم التنظير لها بعد.
من خلال ما سبق ـ وبدراستنا التي ستأتي حول كتاب «الجامع» يتبين لنا أن الإمام ابن بركة وهو في النصف الأول من القرن الرابع الهجري كان من المنظرين الأوائل لعلم أصول الفقه بمنهجيته المعروفة وأسسه المعتمدة، وقد ظهر ذلك واضحاً في كتابه «الجامع» محل البحث ـ بداية من هدفه الصريح من تأليف الكتاب، ومروراً بأجزاء علم أصول الفقه التي تناولها في أول كتابه، وانتهاءً بمنهجه في الاستدلال ودراسة المسائل الفقهية الفرعية.
1 - موقف ابن بركة من التنظير الفقهي الأصولي من خلال هدف تأليفه كتابه (الجامع): من ناحية الهدف من تأليف كتاب (الجامع) فإننا نجد ابن بركة يصرح بهدفه من تأليفه في أول كتابه، وهو تقديم علم الأصول وقواعده للمتفقه ليبني عليه نظره واستدلالاته، وينطلق منه في
(1) انظر: الخادمي، تعليم علم أصول الفقه، ص 45 وحلاق تاريخ النظريات الفقهية، ص 43 و 53.
(2) حلاق تاريخ النظريات الفقهية، ص 54. (3) المصدر السابق نفسه. (4) المصدر السابق نفسه.