النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬١٨٥كتاب (الجامع) لابن بركة والنظرية الفقهية
ناصر بن خلفان بن خميس البادي
1185
أما في مجال الإشارة إلى أن الاجتهاد له شروط ومواصفات فقد قال كما ترى: «فالواجب عليه إذا أراد علم الفقه أن يتعرف أصول الفقه وأمهاته، ليكون بناؤه على أصول صحيحة» أي: لا بد من إلمام الفقيه بأصول الفقه وطرق الاستنباط، وقال: «ليجعل كل حكم في موضعه ويجريه على سننه» إلى أن قال: ليعلم افتراق حكم المفترق واتفاق المتفق أي: لا بد له أن يلم بسنن الفقه، وهي القواعد الفقهية، أو ما كان يعرف في تلك الفترة بالفروق.
إذا نجد أن كتاب (الجامع) ينطلق من أول أبوابه في التنظير الفقهي الأصولي، وبدعوة واضحة للفقهاء إلى إجادة النظرية الفقهية الأصولية أصول الفقه وقواعده، التي من خلالها يستطيعون إنتاج الأحكام الفقهية السليمة المتكاملة، التي تتجاوب مع روح الوحي، وتستجيب لحاجات الناس وتغير ظروفهم. قال: «ليكون بناؤه على أصول صحيحة».
2 - النظرية الفقهية الأصولية في كتاب (الجامع):
في الأبواب الأولى من كتاب الجامع نجد ابن بركة يرسم لنا بوضوح مشهد نظريته الفقهية الأصولية، فهو قد استوعب - تقريباً - معظم أسس وضروريات علم الأصول. حيث ذكر أقسام الخطاب التكليفي، ودرس الأدلة الشرعية الأصلية، والأدلة الشرعية التبعية، وطرق الاستنباط وقواعده، والاجتهاد والتقليد
ففي جانب أقسام الخطاب التكليفي اعتبر ابن بركة أن أقسام الخطاب خمسة أقسام ـ وهي الأقسام المعروفة -: الواجب والحرام والإباحة والندب والكراهة. قال: «فإذا ورد الخطاب معرى من القرائن والمقيدات والمقدمات، فهو أمر ـ أي واجب - ونهي ـ أي محرم ـ، واللفظة قد ترد مقرونة بقرينة أو صلة أو بمقدمة، فتدل على التخيير - أي الإباحة - أو الندب». وعبر عن الكراهة في كثير من تفريعاته الفقهية، ومن ذلك الحكم بكراهة شرب النبيذ من الأديم - مع وجود الدليل لديه بإباحته - تنزيهاً للمؤمنين، قال: وكذلك قولنا في النبيذ، فإن كان حلالاً فإننا ننهى عنه لأن شربه ينقص من شاربه ويقلّ من هيبته، ولما يحدث معه من السكر». وقال بكراهة القبلة للصائم: وأكره القبلة للصائم؛ لأنها من دواعي الوطء» (3).
وفي جانب الأدلة الشرعية الأصلية اعتبر ابن بركة القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية، والإجماع والقياس هي: الأصول الأربعة الرئيسة التي تستنبط منها الأحكام الشرعية.
(1) ابن بركة، الجامع، 89/ 1.
(2) المصدر السابق، 546/ 2 (3) المصدر السابق، 35/ 2.