النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬١٨٩كتاب (الجامع) لابن بركة والنظرية الفقهية
ناصر بن خلفان بن خميس البادي
1189
المنازل والله يتعالى أن يفعل ما هذا سبيله، بل الواجب في حكمته ورحمته ما صنع وقدر فيه، إذ جعل بعضه محكما ليكون أصلا يرجع إليه، وبعضه متشابها يحتاج فيه إلى الاستخراج والاستنباط، ورده إلى المحكم وإعمال العقول والفكر، ليستحق بذلك الثواب الذي هو العوض، ومثال استعماله للاجتهاد قوله في أحد المواضع والنظر يوجب أن القرآن والسنة حكمان كل واحد منهما بالآخر» (2).
ولعلنا نلمح إشارته إلى أن المجتهد له شروط ومواصفات، فقد قال في موضع: «فالواجب عليه إذا أراد علم الفقه أن يتعرف أصول الفقه وأمهاته، ليكون بناؤه على أصول صحيحة، ليجعل كل حكم في موضعه ويجريه على سننه، ويستدل على ذلك بالدلالة الصحيحة، والاحتجاجات الواضحة، وأن لا يسمي العلة دليلاً، والدليل علة، والحجة علة، وليفرق بين معاني ذلك، ليعلم افتراق حكم المفترق واتفاق المتفق؛ لأني رأيت العوام من متفقهي أصحابنا ربما ذهب عليهم كثير من معرفة ما ذكرنا»، وقال في موضع آخر: «ففي هذا دليل على أنه لم يجعل للمستفتي والمستفتى له عذراً والله أعلم. ولعل المفتي لم يكن أهلاً لذلك، ونحن نعوذ بالله من غلبة الأهواء). كما أنه تناول التقليد وبين أن هنالك تقليداً محموداً، وهو تقليد الصحابة، وتقليد العامي للعالم المجتهد، وفي المقابل هناك تقليد مذموم. قال في أحد المواضع عن بعض صور التقليد المحمود: «تقليد الصحابة جائز في باب الأحكام وما كان طريقه طريق السمع (5)، وقال: ويجوز للعامة تقليد العلماء والاتّباع لهم … وكذلك تقليد الجاهل لمن لا يتهم في الدين). وذم في مواضع أخرى التقليد لمن هو ليس أهلًا للتقليد، وعقد باباً بعنوان: باب في ذم التقليد، أورد فيه الآيات القرآنية التي تنعى التقليد الأعمى بغير هدى، وكان من ذلك قوله: (ولعل المفتي لم يكن أهلاً لذلك، ونحن نعوذ بالله من غلبة الأهواء، ومسامحة الآراء، وتقليد الآباء».
وفي السياق التنظيري ذاته تجده منتبها أيضاً لمقاصد الشريعة، منبهاً عليها، ومستعملاً لها في تفريعاته الفقهية، وهي الضروريات والحاجيات والتحسينيات. ومن الأمثلة على
ذلك:
(1) ابن بركة الجامع، 56/ 1 - 57.
(2) المصدر السابق، 44/ 1.
(3) المصدر السابق، 14/ 1.
(4) المصدر السابق، 25/ 1
(5) المصدر السابق، 22/ 1. (6) المصدر السابق، 23/ 1. (7) المصدر السابق، 25/ 1